خواطر مواطن مهموم (185)

خواطر مواطن مهموم (185)
توفيق اكليمندوس

توفيق اكليمندوس

6:54 ص, الأحد, 9 أبريل 23

مع أستاذى وغيره من العمالقة (2)

العملاق الأستاذ الدكتور جان لوكا كان يحب أن يقرأ أكبر عدد ممكن من المؤلفات حول موضوعات شتى، كما عرضت، الأسبوع الماضي، وكان أكثر إلمامًا من كل المتخصصين فى عدد مهول من الملفات، وساعده فى ذلك ذاكرته الحديدية وذكاؤه الحادّ وعلمه الغزير… فقد كان قادرًا على عقد مقارنات تثرى وتفتح آفاقًا جديدة، وعلى كتابة مقالات طويلة يشرح فيها نتائج وخلاصة عشرات السنوات من البحث العلمى فى ملف أو مسألة ما.

بيد أن الموهبة لا تحل كل شيء، من عوامل نجاحه وجود مكتبات فى باريس – مكتبة معهد العلوم السياسية على الأقل – توفر له أى كتاب أو مقال فى أى وقت، وأيامها لم يكن يضيع أى أستاذ وقتًا كبيرًا فى الشئون الإدارية وفى توافه الأمور كما هى الحال الآن، كانت هناك سكرتارية تتكفل بهذه المهام، ولم يكن هناك طغيان ما يسمى الإدارة الحديثة التى تفرض على كل أكاديمى كتابة عدد كبير من المقالات فى السنة، فكان الوقت متاحًا أمام الأستاذ وغيره ليكتبوا مقالات رصينة جامعة مانعة دون تعجل، طبعًا كان هناك عدد من الكسالى والطفيليين، ولكنهم، فيما أعتقد، كانوا أقلية، وأخيرًا كان إنتاج الزملاء مصدرًا رفيع المستوى للإلهام، كان الأستاذ يتحاور يوميًّا مع عمالقة؛ مثل الدكاترة جورج لافو، وجان لوى كيرمون، وله اتصالات واسعة مع زملائه ونظرائه البريطانيين والأمريكيين والعرب، فى حين أن معارف لافو كانت أوروبية. ولعب الصيت دورًا مهمًّا، كان الكثيرون يطمعون فى أن يكتب الأستاذ مقالًا عن كتاب لهم، أو أن يذكره فى مقالاته التى تجمل الأوضاع، أو يوصى طلابه بقراءته، فكانوا يرسلون له مؤلفاتهم، وكان يقرؤهم فى الإجازات بسرعة مذهلة.

مقومات الأستاذ الناجح قدرته على القراءة المتحاورة مع الكتاب، المرن فكريًّا الذى يستطيع أن يتفهم منطق صاحب الكتاب تفهمًا لا يمنع النقد، ويكتب بمعدلات معقولة، ويملك من الاتصالات والمعارف ما يسمح له بالسؤال والاستفسار والحوار العميق مع عمالقة، ويعمل فى بيئة تتيح له الكتب والوقت للتفكير.

هذا مهم لأى أستاذ، ولكنه كان أهم فى حالة لوكا؛ نظرًا لمنهجه فى الكتابة، فهو يعرض لوجهات نظر متعارضة، ويحاول بيان مزايا وعيوب كل منها، ويقترح صيغة قد تكون وسطية، وقد تنحاز لإحداها؛ أى أن وجهات نظر المتخصصين تشكل قاعدة انطلاق فكره، أو الأرضية التى يتحرك عليها، وكلما كانت هذه الأرضية متينة عميقة، تحسنت مقالات الأستاذ وبلغت قممًا لا تسقط بالتقادم ولا تهزُّها عواصف، كنت، وما زلت، أحب أن ألوم بعض الزملاء الذين يخصصون وقتًا كبيرًا لمناقشة ودحض الكلام التافه، الذى لا يستحق الذكر ولا المناقشة، ولكننى أقر- مع تقدمى فى السن- أن مناقشة الكلام التافه الذى يتمتع بشعبية وقبول أمر ضرورى وواجب مقدس تجاه المجتمع والطلبة والعلم، وإن كان لا يسهم فى تحسين فكر الأستاذ القائم بهذه المهمة.

هذا الوضع يشرح، فى رأيي، نوعًا من التراجع فى مقالات الأستاذ رغم لياقته الذهنية المذهلة، فتدهور مستوى الأساتذة والجامعات- وهو ظاهرة دولية عالمية قد أعود إليها- ظاهرة لها استثناءات طبعًا، أجبر الأستاذ على مناقشة كلام تافه بات رائجًا، ومناقشة التافهين لا تولِّد فكرًا رفيعًا، حتى لو كان المناقش عملاقًا مثل لوكا. مناقشة التافهين قد تنتج أحيانًا كتبًا “دمها خفيف”، وأريد أن أتوجه بالشكر لكل أستاذ قدير يتكفل بمهمة تجبره على تخصيص وقت طويل لقراءة مؤلفات ضعيفة المستوى ومحبِطة ليكتب كتابًا يفيد ويحذّر الطلبة والجمهور، وأعترف بأننى عاجز عن الاضطلاع بهذه المهمة، لا عن كبرياء، بل لإدراكى مواطن ضعفي؛ وهى كثيرة، وسعيى الدائم إلى عِشرة من هو أذكى منى وأكثر علمًا منى لتحسين أدائي.

الكمال لله، سأتحدث لاحقًا عن عيوب الأستاذ، ثم أنتقل إلى غيره

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية