خواطر مواطن مهموم (184)

خواطر مواطن مهموم (184)
توفيق اكليمندوس

توفيق اكليمندوس

6:55 ص, الأحد, 2 أبريل 23

أستاذى

أمضيت الأسبوع متسائلًا عن موضوع مقالى مترددًا بين الأزمة الفرنسية والحرب الروسية الأوكرانية، وقضية أفول أوروبا، واستيقظت، يوم الجمعة، مقررًا الحديث عن أساتذتي؛ ليس فقط على سبيل الوفاء، ولا للتحدث عن أفضالهم، بل للتفكير بصوت خافت عن مقومات الأستاذ الجامعى العظيم، الأستاذ الدكتور جيل دولانوا صديق عزيز، وهو غالبًا صاحب التأثير الأكبر على فكرى، ولكننى أفضّل بداية مشوارى مع أصحاب الفضل عليّ، بالمشرف على رسالتي- رسالة دكتوراه الدولة الفرنسية- العلّامة الأستاذ الدكتور جان لوكا، الرئيس السابق للجمعية العالمية للعلوم السياسية.

هو من مواليد مارس 1935، فى الجزائر العاصمة، حصل على دكتوراه الدولة فى القانون العام، وعلى إجازة التدريس فى سن مبكرة، سياسيًّا هو ليبرالى، محافظ فى الأمور الحياتية، ولا أعرف مذهبه فى الاقتصاد، ولا أعرفه؛ لأنه غالبًا لا يهتم كثيرًا بالاقتصاد، مع التقدم فى السن ازدادت ميوله اليمينية وحِدّته فى التعبير عنها، هو كاثوليكى شديد الإيمان قليل الذهاب إلى الكنيسة، ولكننا صلّينا معًا مرات فى قداس الكريسماس، وتعرَّف على السيدة حَرَمه فى منظمات الشباب الكاثوليكى، هو من فرنسيّى الجزائر القلائل الذين انحازوا إلى الجزائريين فى حرب التحرير، وكان مقرَّبًا من الرئيس الجزائرى العظيم الهوارى بومدين، وسمعته يقول مرات: أنا لست فرنسيًّا، بل جزائرى، ولكن الجزائر التى أعرفها وأنتمى إليها لم تعد موجودة، ويقصد أنها اختفت تدريجيًّا بعد وفاة الرئيس بومدين. ولكننى أراه فرنسيًّا مثقفًا ثقافة رفيعة، هو قارئ مدقق للأدب، ويحب الاستشهاد بمارسيل بروست، وهو يحب الاستماع إلى الموسيقى، ومعلوماته وفهمه وحدسه فيما يخص الموسيقى الكلاسيكية أذهلت كبار أساتذة الكونسرفاتوار، وأذكر أنه فى أول لقاء لنا خاض فى مقارنة بين الموسيقى الصينية والموسيقى الغربية استمرت ساعتين لم أفهم منها إلا القليل وإننى جاهل، وعندما شرع فى كتاب عن الفلسفة السياسية كانت المقارنة بين الفلسفة والموسيقى أحد محاور الكتاب، وتسبَّب هذا فى عدم انتشاره وفى ضعف توزيعه. أغلب أساتذة العلوم السياسية لا يفهمون فى الموسيقى، ولم يفهموا المقارنة، ولهذا امتنعوا عن كتابة مقالات تعرض للكتاب وتتناوله بالتحليل والنقد.

اثنان من أصدقائى يمتلكان القدرة على فهم الكتاب وطلب منهما لوكا كتابة مقال عنه، كما طلب هذا من غيرهما، أحدهما جيل دولانوا صديقى الصدوق ووعد خيرًا، ولكن والدته انتقلت إلى رحمة الله بعد أيام من وعده، وكان مقرَّبًا جدًّا منها، وحزن حزنًا شديدًا استمر أشهرًا، وأثناء هذه الفترة ألحّ عليه لوكا إلحاحًا جاء بنتيجة عكسية.

الثانى بير أندريه تاجييف، كان متحفظًا، بل معترضًا على ما كتبه جان لوكا عن مذهب فلسفيّ هو الوضعية المنطقية، ولم يكن يريد أن يسجل اعتراضاته كتابةً، ولم يكن فى باريس ليقابل لوكا ويتناقش معه، وأذكر أنه قال لى إن مناقشة جادّة لكتاب لوكا ونقاط قوته وضعفه تتطلب كتابًا وأنه لن يكتبه، وأعطى لى بعض المفاتيح استفدت منها كثيرًا؛ منها أن فهم كتاب يتطلب تحديد «ضد مَن كُتب هذا الكتاب، ومع من يتحاور بالتأييد والتعديل والنقد والرفض»، حتى لو لم توجد إشارة صريحة إلى هذا، ولا يمكن فهم مذهب الوضعية المنطقية دون إلمام دقيق وفهم عميق لأعمال برتراند راسل وفريجة، وأوجه تلاقى واعتراض الوضعية المنطقية على هذه الأعمال،

ويدفعنى هذا الفاصل إلى التحدث عن أسلوب عمل جان لوكا، يقرأ مقالًا عن موضوع ما، إذا أثار الموضوع ومعالجته اهتمامه، يقرأ قائمة المراجع ويحصل عليها ويقرؤها كلها بتمعن، والأستاذ يتمتع بذاكرة حديدية تجعله يُلمّ بالتفاصيل، وبقدرة نادرة على استخلاص الأفكار الرئيسية، وخبرة تسمح له بتقييم الاجتهادات المتصادمة المتناقضة، وقد يتصل بالزملاء يسأل ويسمع ويدلى برأيه… قبل أن نمضى قدمًا نلفت النظر إلى كونه نجح فى الحصول بسرعة على المراجع المهمة.

*أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية