خواطر مواطن مهموم (182)

خواطر مواطن مهموم (182)
توفيق اكليمندوس

توفيق اكليمندوس

6:34 ص, الأحد, 19 مارس 23

هكذا تكلم مايكل كوفمان

أؤجل مؤقتا اشتباكى مع الخطاب الغربى الحالى عن مفاهيم وآليات حقوق الإنسان لأعود إلى حرب روسيا على أوكرانيا، التى أجبرت الباحث الجاد على التبحر فى الشؤون العسكرية وعلى تدريب ذاته على ترتيب معلوماته.

لست أفضل الخبراء فى هذا الشأن، فى مصر عدد من الكفاءات والقامات العسكرية والمدنية رفيعة الشأن غزيرة العلم، أحدها الأستاذ أحمد عليبة من أعز الأصدقاء، ولكننى لست جاهلا جهلا فاضحا، واستمعت واستمتعت مؤخرا عندما تكلم مايكل كوفمان كلاما أذاعه موقع «war on the rocks» المتخصص فى الشؤون العسكرية.

كوفمان من أفضل المتخصصين فى ملف الجيش الروسى، وهو أول من قال بوضوح إن الرئيس بوتين سيقوم بغزو أوكرانيا، وقد زار مؤخرا الجبهة لاسيما باخموت، حيث تدور أشرس المعارك وأطولها، ومن المعروف للمتابع أن الولايات المتحدة ليست مرتاحة لإصرار أوكرانيا على التمسك بالمدينة، فالدفاع عنها يكلف أوكرانيا آلاف الأرواح وكما من الذخائر، والمدينة أهميتها الاستراتيجية محدودة، ووفقا لأغلب الخبراء لن ينجح الروس فى استغلال المميزات القليلة جدا التى يتيحها غزوها.

يميل كوفمان إلى موقف قيادته مع شرح أوفر وأكثر إقناعا، الصمود الأوكرانى فى باخموت كان بطوليا وحقق أهدافه ببراعة، وهى استنزاف الجيش الروسى وتحميله عددا مريعا من الخسائر فى الأرواح يفوق بكثير الخسائر الأوكرانية، خسائر لا يعوضها حجم روسيا السكانى، ولكن مع مرور الوقت قل عائد الصمود وزادت تكلفته، ليست فقط لأسباب كمية، المشكلة الرئيسية أن الجنود الأوكرانيين الذين يموتون من خيرة الجنود، بينما أغلب الخسائر الروسية من أبناء السجون الذين انضموا إلى ميليشيات فاجنر ليحصلوا على إعفاء من عقوبات السجن.

يقول كوفمان أن الروس يقومون الآن بهجوم على خمس جبهات فى محاولة منهم لاستغلال التفوق العددى بتوسيع الجبهة، وإطالة الخطوط، وفضلوا هذا على تركيز القوات لخوض معركة كبرى، ولكن استراتيجيتهم لم تحقق الكثير، التقدم الذى تحقق فى باخموت لا يعوض الخسائر الفادحة والعلقة الساخنة على جبهة فولدهار.

ويضيف أن القائد السابق للجبهة الفريق سوروفيكين كان من أنصار عدم التعجل وعدم القيام بهذا الهجوم قبل نهاية الربيع المقبل، ولكن القيادة رأت غير ذلك، ولا يبدى كوفمان رأيا واضحا فى وجهات النظر المختلفة، وأتصور شخصيا أن تقييم الخيار الروسى يقتضى الرد على السؤال: هل عيوب الجيش الروسى قابلة للإصلاح؟ هل منح فسحة إضافية من الوقت يسمح بتحسن فى الأداء؟، علما بأن أوكرانيا أيضا قد توظف الوقت لتحسين أحوالها، على العموم ما يقوله كوفمان هو أن التعبئة الروسية لم تكن جيشا ثانيا بل سدت الفراغ الذى تسببت فيه الخسائر الفادحة.

ويقول كوفمان إن الهجوم على خمس جبهات يفسر جزئيا الشح فى إمداد جبهة باخموت بما تحتاجه، ويقول إن ميليشيات فاجنر ليست الوحيدة التى تهاجم هناك، فمعها لواء روسى من القوات المحمولة جوا، ويضيف أن إكثار رئيس ميلشيات فاجنر من نشر مقاطع فيديو ينتقد فيها قائد الحملة جيراسيموف دليل على يأسه لتراجع مكانته ومحاولة لجذب انتباه الرئيس بوتين، ويحذر كوفمان من الانطباع الذى تكون عند البعض، أن التشكيلات المشتركة فى الحرب الروسية جيوش وقوات مختلفة كل منها مستقل عن الأخرى.

أما عن القوات الأوكرانية يقول كوفمان إن الروح المعنوية «معقولة بل جيدة”، وأنها تواجه بعض المشكلات لا تقلل من تفاؤله، أهمها النقص فى الذخيرة، الرغبة فى توفيرها للهجوم المضاد المقبل لا تفسر كل شيء، عدد الخسائر مرتفع وأغلب الموتى من القوات المدربة تدريبا عاليا لا يمكن تعويضها، بضعة أسابيع تدريب فى الغرب ليست كافية، هناك ضباط تتلمذوا على الغرب وآخرين تتلمذوا على الاتحاد السوفيتى، شباب الضباط رفيعو المستوى، الهجوم المضاد لن يكون فى شكل ضربه قاصمة على طريقة روميل.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية