خواطر مواطن مهموم (168)

خواطر مواطن مهموم (168)
توفيق اكليمندوس

توفيق اكليمندوس

6:31 ص, الأحد, 11 ديسمبر 22

عن أهمية دراسة التاريخ

عن أهمية التاريخ نسمع آراء متناقضة، عملاقان من عمالقة الفكر قالا إن الدرس الوحيد الذى نتعلمه من دراسة التاريخ هو أننا لا نتعلم أى شيء منه؛ لأن كل واقعة تختلف عن غيرها فى أسبابها وطبيعتها ونتائجها، فالتاريخ هو دراسة حالات فردية، أو قُل فريدة، وليس دراسة قواعد عامة.

وفى المقابل قال سياسى من أعظم ساسة القرن التاسع عشر إن الذكى يتعلم من تجارب غيره، والمحدود يتعلم من تجاربه الشخصية، وطبعًا هناك من لا يتعلم أبدًا، من الواضح التعلم من تجارب الغير يقتضى دراسة التاريخ.

عندما أقول حالات فردية فإننى أقصد أنها لا تتكرر إلا نادرًا، ولا أقصد أن التاريخ بالضرورة دراسة مسار أفراد، التاريخ قد يدرس مسار أفراد أو مجموعات أو طبقات أو أمم أو أجهزة بيروقراطية، ولكل تجربة طابعها الخاص: تجربة مصر ليست كتجربة تركيا.

وعندما أقول حالة فريدة فإننى لا أقصد أنها خارقة أو أنها معجزة، أقصد فقط أن كل تجربة تختلف عن غيرها اختلافات جوهرية، حتى لو وجدنا بين هذه التجارب قواسم مشتركة.

أميل شخصيًّا إلى الرأى الثاني، رغم إيمانى بأن التاريخ هو دراسة حالات فردية، أما دور نظريات العلوم السياسية وعلم الاجتماع فى دراسة التاريخ فأميل إلى إجماله فى جملة، هذه النظريات تساعد المؤرخ على تحديد وصياغة الأسئلة التى يطرحها على المادة التاريخية، ولكن واجبه يقتضى ألا يقيد نفسه بالردود التى تقترحها هذه النظريات.

وهناك أسباب إضافية لدراسة التاريخ، منها أن التاريخ يؤثر على ذاكرة الشعوب تأثيرًا واضحًا، ولا نستطيع أن نفهم شعبنا ونخبه وشعوبًا أخرى ونخبها؛ صديقة كانت أم عدوة، إن كنا جاهلين جهلًا تامًّا بتاريخها وبكيفية قراءتها له وبدور الذاكرة، وعلى أى شعب مواجهة تاريخه بحُلوه ومُرّه، لا ليكره نفسه ويجلد نفسه ويعتذر، بل ليعرف كيف تراه الدول المجاورة، أستطيع أن أعطى أمثلة مصرية، ولكننى أفضّل مثالًا فرض نفسه هذه الأيام، الشعبين الأوكرانى والبولندى لهما أسباب قوية ووجيهة لكراهية روسيا نظرًا للجرائم البشعة التى ارتكبها الروس فى المراحل والعصور الماضية. ولكن الروس المعاصرين- باستثناء بعض النخب المنفتحة على الغرب- لا يعلمون شيئًا عن هذه الجرائم، ويتصورون أن كراهية الشعبين لهم مرضية ولا أسباب لها.

وأستطيع أن أسوق أمثلة أخرى، لا يمكن فهم السياسة النقدية لألمانيا، سواء أيام المارك أو أيام اليورو، ولا خوف ألمانيا المَرضيّ من الاستدانة ومن التضخم دون معرفة تاريخ ألمانيا الاقتصادي. ولا يمكن فهم صعوبات التنسيق بين كوريا الجنوبية واليابان دون معرفة تاريخ هذه الدول.

بيد أن هناك أسبابًا أراها أهم تحتّم دراسة التاريخ، وهى ضحالة فهم الكثيرين منا للسياسة، وإدماننا مقاربة للأمور تعتمد على نظريات المؤامرة، وقسوة حكمنا على أدائنا وأداء غيرنا.

عندما أتحدث عن ضرورة دراسة التاريخ فإننى لا أتحدث عن تاريخ أسطوري، يرى فى كل قائد مصرى أو فى كل من هو عزيز علينا إلهًا أو نبيًّا معصومًا من الخطأ. أتذكر الثورات العارمة التى اجتاحت الجرائد والمواقع الاجتماعية عندما قال قائل كلامًا عن عيوب شخصية أو غير شخصية لعبد الناصر أو للسادات أو لصلاح الدين الأيوبي. كتابة تاريخ لا يذكر عيوب هؤلاء العمالقة ويقلل من أخطائهم، تؤدى حتمًا إلى قسوة غير مبرَّرة فى حكمنا على أنفسنا وعلى حكامنا الحاليين وغيرهم، إذ نقارنهم بشخصيات تخيلناها لا وجود لها.

أنهى هذه المقالة مستشهدًا بأعمال المرحوم السفير حسين أمين، المؤرخون المسلمون الأوائل كانوا يعتبرون أن التكتم على الأخطاء والعيوب، وحتى المواقف المُخزية، غش غير مقبول، فسقطات الكبار أرادها الله سبحانه وتعالى لنعرف أن الكمال له دون غيره. وأضيف: ويفسد هذا التكتم حكمنا وفهمنا

يتبع

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية