خواطر مواطن مهموم (161)

خواطر مواطن مهموم (161)
توفيق اكليمندوس

توفيق اكليمندوس

7:00 ص, الأحد, 23 أكتوبر 22

لا تعلنوا أفول الولايات المتحدة (1)

فى السنوات الأخيرة للمراهقة؛ أى فى النصف الثانى من السبعينيات، كنت أقرأ ما تيسّر من الصحف والمجلات الغربية، ولا سيما الفرنسية، وكان الصحفيون والمفكرون يتسابقون لإعلان انتهاء الحقبة الأمريكية، وبداية الحقبة اليابانية.

لا أتذكر بالضبط حيثيات التنبؤ، وأعتقد أن الرواية السائدة كانت تقول إن العالم يشاهد صعودًا اقتصاديًّا لليابان وألمانيا، وهزيمة مُخزية للأمريكيين فى فيتنام، وانسحابًا كارثيًّا من سايجون، وشبابًا أمريكيًّا مرفَّهًا لا يحب بلده ويختار أسلوب حياة عجيبًا هو منهج الهيبيز، ويخوض بلا حياء ولا حرص تجربة المخدرات ويدمن التمرد ضد التقاليد وجَلد الذات والهوية الأمريكية.

وبدت الرأسمالية الأمريكية أنانية منغمسة فى تنافس مدمر لها، مركزة على الربح السريع على حساب التخطيط للأجل الطويل، رأسمالية تفكر فى الأرباح، لا فى إنتاج سلعة تحسِّن من مستوى المعيشة، رأسمالية عاجزة عن ضبط علاقتها مع الطبقة العمالية. وأخيرًا وليس آخِرًا بدت المؤسسات السياسية الأمريكية عاجزة عن حشد الهمم لدخول سباق تسلُّح مع الاتحاد السوفييتى، عاجزة عن الإجادة والاستفاقة من صدمات فيتنام والوترجيت وكشف فضائح المخابرات المركزية والتدخلات الصفيقة فى سياسات دول أمريكا اللاتينية وانهيار نظام بريتون وودز- كنا نعتقد خطأ أن ارتفاع أسعار البترول مؤامرة أمريكية لإضعاف اليابان وأوروبا ووقف زحفهما إلى القمة.

فى المقابل بدت اليابان قادرة على تنظيم صفوف أبنائها، متبنّية نموذجًا رأسماليًّا قادرًا للتخطيط للمدى الطويل لا يلهث وراء الربح السريع. يرسم العلاقات فى الشركات بين الرؤساء والمرءوسين لتكون كالعلاقات العائلية، الكبير يحمى الصغير ويعتنى به، الصغير يحترم الكبير ويطيع أوامره، الكل يجاهد من أجل علو شأن الشركة ويحتفظ بأسرارها، العامل اليابانى متعلم تعليمًا راقيًا وتلقّى تدريبًا أهّله للإجادة وإقباله على العمل وإتقانه… كل هذا يضمن له تفوقًا واضحًا على نظيره الأمريكى، التكنولوجيا اليابانية سبقت أو فى طريقها لتخطّى التكنولوجيا الأمريكية، والدولة لا تُرهق ميزانيتها بإنفاق عسكرى ولا بإنفاق على طفولة، فاليابانيون لا ينجبون أعدادًا كبيرة من الأطفال، المنتَج اليابانى يُعجب كل الأذواق، والدولة تروِّج له، النخب اليابانية تجيد فن التشاور الهادئ من أجل بناء إجماع على رأى رشيد… وأخيرًا وليس آخرًا، البلاد التى كانت مستعمرات يابانية نهضت وازدهرت، على عكس البلاد التى استعمرتها أمريكا….

طبعًا كنت صغير السن ولا أملك ما أملكه، اليوم، من خبرة، ولكن الله سبحانه وتعالى أنعم عليّ بصداقة أب يسوعى فرنسى الجنسية واسع الاطلاع رصين الفكر متحكم فى أدوات المنهج، له ثقافة تاريخية، وحس سياسى وصلات واسعة نادران. وخُضنا صراحةً قضية مستقبل الصدارة والهيمنة الأمريكية، ورفض بحسمٍ الكلام المنشور ووصفه بأنه ضجيج يتصور أن له معنى عميقًا، بينما هو قمة فى التفاهة، وقال لى، فيما قال، جملة لم أنسَها إلى الآن وأحبُّ ترديدها، الولايات المتحدة مجتمع هائل ودولة هائلة، البلد الوحيد فى العالم الذى يستطيع أن ينمو ويزداد قوة وازدهارًا فى ظل حكم حمير، نعم قيادتها السياسية فاسدة وضعيفة وغبية وضيقة الأفق ولا تفهم العالم، ولكن فى أمريكا هذا لا يهم، هذا مجتمع سريع الحركة، جادّ فى البحث العلمى، الجامعات والشركات فيه لا تفسدها اعتبارات السن والموقع الاجتماعى والمنصب القيادى والتراتبية، رئيس القسم ينصت للمعيد ويتعلم منه إن أحس أن الصغير تفوَّق عليه فى ملف، التنافس فى المجتمع الأمريكى يحفز الجميع ولا يعطل أحدًا، وهذا المجتمع وشركاته وجامعاته شديدو البراعة فى جذب مواهب وكوادر من كل أنحاء الكوكب. لا ينظرون إلى دينك ولا إلى لون بشرتك إن كنت موهوبًا، المطلوب منك الإجادة، وإن كنت مجيدًا فسيُفتح لك من الأبواب ما يحوّلك إلى أمريكى ويقتل فيك أية رغبة فى العودة إلى بلدك. المقابر مليئة بناس توقّعوا انهيار أمريكا، يا توفيق.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية