خواطر مواطن مهموم (160)

خواطر مواطن مهموم (160)
توفيق اكليمندوس

توفيق اكليمندوس

6:56 ص, الأحد, 16 أكتوبر 22

عن الحرب الروسية الأوكرانية

يعلم من يعرفنى أننى أؤيد أوكرانيا قلبًا وقالبًا، وأننى أؤمن إيمانًا تدعمه كل الوقائع بأن المشروع الروسى مشروع استعمارى له نكهة نازية، وأن المواجهة مع الناتو ما هى إلا ذريعة خاطئة وكاذبة لاستعادة “الممتلكات” التى ضاعت سنة 1991 ولإثبات أن روسيا دولة كبرى؛ شأنها شأن الصين والولايات المتحدة.

أعرف تاريخ علاقاتنا مع السوفييت ثم مع الروس وكيف ساعدونا، وأعرف مقدار مساهمة الروس فى الحضارة الإنسانية، وأعرف أن الدول الغربية ليست جنة الله على الأرض، وأن لدينا أسبابًا كثيرة للشك فى الغرب وعدم تصديقه ولعدم نسيان الحقبة الاستعمارية ودور الغرب فى تدمير المنطقة فى هذه الألفية.

ولكننى لا أرى فى كل هذا سببًا للسكوت أمام جريمة اجتياح دولة وتدمير كل مدنها وتشريد خُمس سكانها ولارتكاب جرائم وفظائع لا تُعَد ولا تُحصى،

ولكننى لن أعيد ولن أزيد، سأحاول إلقاء الدور على نقاط قد لا يراها الرأى العام.

الجيش الروسى حالته الآن سيئة جدًّا، وتكبد خسائر مَهولة فى المُعدات والأرواح، وأُهين إهانات جارحة، لكن هذا لا يعنى أن الكلام عن قوته، السابق على الغزو، كان كلامًا فارغًا، علينا أن نعرف أن القوات المسلحة الروسية كُلفت بالتعامل مع جبهة طولها 1200 كم لمدة تُناهز الأشهر الثمانية، وبتنفيذ خطة اتسمت بعدم الواقعية وتخالف كل قواعد الإستراتيجية، باختصار، ما طُلب من الجيش الروسى لا يقدر على تنفيذه أى جيش حالى، وخاصة جيش دولة تئنّ تحت ضغط العقوبات، وجيشًا ضللت الدعاية الكاذبة غالبية أبنائه.

حاليًّا تحاول روسيا تدمير بنية الطاقة فى أوكرانيا؛ لتَحرمها من الكهرباء ليواجه شعبها الشتاء فى أسوأ وضع ممكن، وتُواصل تدمير المدن وتخريب الاقتصاد، وتحاول كسب الوقت بالانسحاب من أراض لبناء خطوط دفاعية جديدة تقدر على الدفاع عنها إلى أن تصل دفعات المجنَّدين الجدد.

فاتورة الحرب أصبحت مخيفة للغرب، يكفى أن نعرف أن أوكرانيا فى حاجة إلى أربعة مليارات دولار شهريًّا، إلى جانب منظومة دفاع جوى كاملة، وطبعًا لا أنسى ثمن البترول والغاز، ولا التضخم ولا فواتير استقبال المهاجرين والفواتير المقبلة الخاصة بإعادة تعمير أوكرانيا.

روسيا أحسن حالًا ماليًّا، ولكنها تعانى. اضطرت إلى شراء طيارات مسيرة من إيران، ونشَر موقع عسكرى فرنسى مقالًا يقول إن صورة ظهرت على شبكة “تليجرام” أثبتت أن روسيا تستخدم على الجبهة دبابات هندية كانت عندها لأعمال صيانة، كل هذه قرائن- تقبل الدحض طبعًا- على عجز المصانع الحربية الروسية على إمداد الجيش بما يلزم.

يؤدى هذا التراجع فى القدرات العسكرية التقليدية إلى فقد الكثير من النفوذ فى مناطق أخرى مثل القوقاز وآسيا الوسطى، واستغل عدد من الأطراف هذا الوضع.

ويؤدى أيضًا إلى الإكثار من التلويح بالسلاح النووى، وما لم تنجح روسيا فى إعادة بناء جيشها، ستلجأ كثيرًا فى المستقبل إلى هذا التلويح؛ فى محاولة لتعديل أو تحسين موازين القوة، وتجدر الإشارة هنا إلى مغزى ما قاله بعض المسؤولين الأمريكيين السابقين، الذين صرحوا بأن الولايات المتحدة ستردُّ على أى استخدام للسلاح النووى التكتيكى بتدمير كامل للقوات البرية الروسية ولأسطول روسيا فى البحر الأسود، هذا الكلام فى شق منه حث كبار الضباط الروس على رفض إطاعة أوامر الرئيس بوتين إنْ أمر باللجوء إلى السلاح النووى.

ينادى عدد متزايد من الأصوات بضرورة التفاوض لإيقاف الحرب، ولكن هذا الكلام يقابل مباشرة اعتراضات قوية، أولها أن الرئيس الروسى يريد أن تقبل أوكرانيا ضمَّه خُمس أراضيها، وهذا طبعًا غير ممكن وغير أخلاقى ومخالف للقوانين الدولية، وثانيها أن قبول هذا سيشجع الرئيس الروسى على الاستمرار فى نهج العدوان المسلَّح والاجتياح الشامل، يبقى السؤال… هل تستطيع أوكرانيا أن تستردّ بقوة السلاح الأراضى المسروقة؟

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية