خواطر مواطن مهموم (159)

خواطر مواطن مهموم (159)
توفيق اكليمندوس

توفيق اكليمندوس

7:11 ص, الأحد, 9 أكتوبر 22

مع العلامة هنرى لورانس (2)

يحب العلامة لورانس أن يتحدث عن تصحيح المعلومات الذى يتيحه فتح الأرشيف، وهى خصلة لازمته على مدى مشواره، ولا يمكن التقليل من أهمية هذا التصحيح، يتصور المعاصرون أن الفاعل قصد شيئًا، ويتضح بعدها بسنوات أن حساباته كانت مختلفة تمامًا، نتصور أن فلانًا كان مؤمنًا بخط سياسي، ثم نعرف لاحقًا أن هذا التصور وهم، نكتشف أن قرارًا ترك أثرًا عميقًا وأثّر فى مجرى الأمور بطريقة حاسمة، لم يكن مقصودًا لذاته، بل جاء فى إطار روشتة تعامل مع قضية تافهة ونسيها الجميع بعدها. وطبعًا الأرشيف يساعد على تحديد مسئوليات كل الفاعلين، وفهم آليات عمل أجهزة الدولة. وبالطبع فإن الأرشيف يعدّ مصدرًا ضروريًّا، لكنه غير كافٍ، وتلك قضية أخرى.

ويمتلك رؤية موسوعية، أذكر أننى كنت أتعامل مع روايات أقطاب النظام الناصرى التى نسبت هزيمتنا فى حرب 67 إلى مؤامرة سوفييتية- غيرهم نسبها إلى مؤامرة أمريكية، ولم يكن هناك أى شيء جادّ ولا أية معلومة مؤكَّدة تدفع إلى اعتقاد أن للسوفييت مصلحة فى هزيمة مصرية محدودة أو شاملة. لكننى كنت عاجزًا عن فهم الرفض السوفييتى لمدّ مصر بمنظومة دفاع جوى حديثة، وتحدثت مع لورانس وقال لى كلمة واحدة: “هانوي”، وفهمت.

مصر كانت تحارب فى اليمن أيامها، حربًا لا يستخدم خصوم مصر فيها سلاحًا جويًّا، وضراوة هذه الحرب دفعت السوفييت إلى اعتقاد أن الجبهة مع إسرائيل ستظل باردة. وفى المقابل كانت فيتنام الشمالية تتعرض لقصف جوى يومي… الأولوية كانت لفيتنام الشمالية ولقوات حلف وارسو، والمصانع السوفييتية؛ شأنها شأن غيرها، لا تستطيع أن تلبى كل طلبات كل حلفاء روسيا.

نعود إلى لورانس لأقول فى الوقت نفسه إنه يعمل وحده، ورغم هذا فإن إنتاجه العملاق كمًّا وكيفًا ثمرة عمل جماعي، وأشرح المفارقة فأقول إن لكل أستاذ فى مجمع فرنسا الحق فى طلب مساعد أو اثنين، يكون أو يكونان من الباحثين فى مجال تخصصه، وتشرفت بالعمل فى فريقه بين 2009 و2011، وأعلم تمامًا أنه لم يكلفنى بمهمة (سوى إلقاء بعض المحاضرات)، ولم يطلب منى معلومة إلا فى مرات معدودة، ثلاث مرات فى سنتين ونيف. وله مكتبة ضخمة واستعرتُ منها كتبًا، بل كنت كثير الاستعارة، وفى كل كتاب مهما كان موضوعه واللغة المستعملة، كانت هناك ملاحظات بخط يده، باختصار؛ للورانس طاقة عمل هائلة وذاكرة حديدية ولا يلجأ إلى مساعديه، يعيّنهم لأسباب عديدة ليست منها الحاجة إليهم. قد يساعد صديقًا أو شابًّا، وقد يفعلها “لوجاهة” فريق الكرسي، وقد يفعلها لأن عدم استخدام إمكانية تعيين باحث وتوظيفه يؤديان إلى إلغائها فى الميزانية التالية.

فى فرنسا وغيرها عدد من الفطاحل يكلفون كل طالب من الطلبة بدراسة موضوع، ثم يجمعون المادة ويصححون بعضها، ويكتبون مقدمة وفصلًا أو فصلين، ويصدر كل هذا فى كتاب باسم الأستاذ، ولا يشار إلى الطلبة، وإن أشير إليهم فعلى عجالة فى كلمة التقديم. ومثلًا كنت أستطيع أن أميّز فى أعمال المؤرخ العظيم جورج دوبى بين تلك التى كتبها وحده وغيرها، الدكتور لورانس لم يفعلها قط.

وفى المقابل، لا يوجد أكاديمى يستطيع أن ينتج وكأنه وحيد فى جزيرة معزولة، عن خبرة أقول إن شروط تفوق الأكاديمى البارز ثلاثة: القدرة على القراءة الدقيقة كيفًا، والكثيفة كمًّا، القدرة على الكتابة، ودفتر تليفون معتبر. لا يوجد أكاديمى يستطيع أن يتعمق فى كل أركان تخصصه، وفى كثير من الأحوال يحتاج إلى فهم نقطة لا تستحق أن يخصص لها الوقت المطلوب للتبحر فيها، وأعطى مثالًا… قد أكون خبيرًا فى الشأن الفرنسي، لكننى لست اقتصاديًّا ولست أديبًا، ولكننى أعرف إلى مَن أتوجه، إن احتجتُ لفهم موضوع اقتصادى أو أدبى فرنسييْن.

يتبع

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية