عن الحرية
لا أذيع سرًا إن قلت إن المصريين ليسوا أحرارًا بل يعانون -لا سيما النساء- من كم من القيود؛ مصادرها ومظاهرها مختلفة، الأصول قيود على الحرية، الأفكار التى يتم زرعها فى العقول تعادى الحرية، الجيران قيد على الحرية، المتنمرون قيد على الحرية، البواب قيد على الحرية، المدرسون قيد على الحرية، الأب والأم والأخ الكبير والزوجة والزوج قيد على الحرية، المعلمون ومناهج التعليم وأساليب التدريس لا يعلمون ممارسة الحرية، المؤسسات الدينية تعارض الحرية وتعاديها، عدد من الأجهزة التنفيذية تعادى الحرية، وعدد من القضاة يرون أنفسهم حراس الثوابت والمصلحة العامة والنظام العام والدولة، ولا أقول إن هذه الغايات ليست مقدسة، ولكننى أقول إننى نشأت فى بلد -بلدنا- كان القضاء فيها المدافع الشرس عن الحريات… ولم يعد كذلك.
يبدو أن هناك نوعًا من التفاهم الضمنى على قواعد اللعبة، الكل يزعم أن القيود كلها مقدسة ومصدرها رباني، وتتفق مع سنن الكون وتاريخ الأمة المتخيل، وكلها ضرورية للدفاع عن الثوابت والقيم والدين وللحفاظ على السلام الاجتماعي، والكل ملتزم باحترامها فى العلن، ومن ينجح فى كسر هذه القيود فى السر والخفاء فهو آمن.
ولهذه المنظومة بعض المزايا الواضحة، ولكن عيبها أنها تعلم الكذب والكتمان، ولا تعلم التفكير وآداب البوح بما فى سريرتنا والحوار، أى خروج عن المألوف يستوجب عقابا وغضب الجماعة الوطنية كلها، نتعلم كيف نقول ما تمليه قواعد الأدب الموروثة ولا نتعلم مزايا وحدود وعيوب المصارحة.
الحرية تفترض وجود خيارات، وهذا يقتضى الاعتراف بأن هناك عددًا كبيرًا من الحالات نكون مخيرين فيها بين بدائل لا يمكن تحديد أيهم أحسن. القضية متشعبة، ما أريد لفت النظر إليه هو ما يلي، لو أنا مضطر وفقًا للأصول أن أرد بطريقة معينة بصرف النظر عما يختمر فى سريرتي، فأنا لست حرًا بل كاذب، طبعًا لا أدعو إلى قلة الأدب وإلى التذرع الدائم بأن هناك راحة فى الصراحة، بل إلى بث ثقافة تسمح بالمصارحة دون الإخلال بأدب الحوار.
الحرية تفترض الاختيار، والاختيار يفترض قدرًا من التفكير ومن المعرفة، والتلقين يقتل الخصال المساعدة للاختيار، وبالتالى يقتل الحرية والقدرة على ممارستها والحاجة إلى المعرفة.
ويلاحظ أن عبادة العلم والمعرفة ليست من العلم والمعرفة فى شيء، عبادة العلم هى التصور أن العلم يمتلك الردود على كل الأسئلة والحلول لكل المشكلة، وهذا ليس صحيحًا، ولو كان صحيحًا لماتت الحرية لأن الاختيار لم يعد ممكنًا، إذ علينا اتباع نور هدى العلم.
ونقترب من القضية المحورية، فالعلم لا يمتلك ردودًا على كل الأسئلة، ولكنه يمتلك ردودًا على العديد منها، وبالتالى يقيد الاختيار والحرية، والسؤال يفرض نفسه هل الحرية المطلقة ممكنة؟ ونشير هنا إلى جملة لروسو تعكس إدراكًا للمأزق، فى مطلع أحد كتبه يقول ولد الإنسان حرا ولكنه فى كل مكان فى الأغلال، وهى جملة تفرض سؤالًا ما الذى يسمح بالقول بأنه حر إن كان فى كل مكان فى الأغلال.
الحرية وفقا للقدماء هى أن تفعل ما تريد٬ وأن تذهب حيث تريد، وهذا يعنى فيما يعنى أن البعض حر، والبعض الآخر ليس كذلك، لو أملك دخول شقتك أى وقت فأنا حر وأنت لا، ومن هنا وجب تقييد الحرية بطريقة أو أخرى مراعاة للمساواة، فنقول حريتك تنتهى حيث تبدأ حريتى.
وهذه هى معضلة الحرية، الحرية الكاملة غير ممكنة فى ظل المساواة. ولكن هذا شيء والتخاريف التى نقرؤها عندما يقوم أعداؤها بتعريفها شيئًا آخر. الحرية ليست أن تختار الصح، ولكنها حقك فى اختيار الخطأ، الحرية ليست أن تضطلع بمسئولياتك الاجتماعية، ولكنها حقك فى أن تتصرف كما تشاء، وقطعًا ليست واجب السكوت عندما تتبنى رأيا لا يعجب.
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية