خواطر مواطن مهموم (153)

خواطر مواطن مهموم (153)
توفيق اكليمندوس

توفيق اكليمندوس

6:51 ص, الأحد, 28 أغسطس 22

تاريخ التأريخ للثورة الفرنسية (3)

أواصل عرض وليم دويل لتاريخ تأريخ الثورة الفرنسية قبل أن أنتقل إلى قراءة العملاق فرانسوا فوريه للحداثة الغربية، وقد أتطرق إلى أعمال الدكتور باتريك جينيفيه. قابلت الاثنين- فوريه وجينيفيه- وأكنُّ لهما ودًّا واحترامًا عميقًا.

كما قلنا، أغلب التأريخ اختبار لتفسير ماركس، الثورة شنَّتها البرجوازية التى صعدت اقتصاديًّا لتُسقط نظامًا ملكيًّا تهيمن عليه طبقة الأرستقراطية؛ وهى طبقة كبار مُلاك تُقصى البرجوازية وتتمسك بقيم عفا عنها الزمن تقسم المجتمع إلى أرستقراطيين، ورجال دين، وشعب (الشعب اسمه الفئة الثالثة). ويقول المؤرخون المتمسكون بكلام ماركس إن الأرستقراطية كانت طبقة ضيقة الأفق، متمسكة بمزاياها، رافضة لأى إصلاح، وأن موقفها هذا منع النظام من التطور وحتَّم سقوطه.

لم أناقش أعمال الماركسيين التقليديين، أشير فقط إلى أن أهمهم- ألبير سوبول- كتب كتابًا عظيمًا لخَّص فوريه عيوبه فى جملة… الكتاب يتمسك بنظرية رغم أن كل المادة المعروضة فى الكتاب نفسه تؤكد أنها ناقصة أو خاطئة. لكن سوبول كان أمينًا لم يُخفِ هذا.

ثم انتقلنا إلى تفسير عملاق ماركسى آخر هو جورج لوفبر الذى حاول إنقاذ المقدسة مع الاعتراف بتعقيدات الواقع، فقال إن الثورة الفرنسية هى فى الواقع أربع ثورات؛ أهمها وأعمقها تأثيرًا ثورة البرجوازية ضد الأرستقراطية.

ثم تناولنا مع دويل الدراسات التى حللت البرجوازية وتنوعها والضعف الشديد للمكون الرأسمالى فى صفوفها، أحيلكم إلى المقالات السابقة؛ لمزيد من التفاصيل.

والآن ننتقل إلى الأعمال التى درست الأرستقراطية، وهنا أيضًا فهم المؤرخون بسرعة أن التحليل الماركس، المتبنِّى لوصف غلاة الثوار لدور وعيوب هذه الطبقة، بعيد عن الحقيقة، فلا يمكن وصفها بطبقة عاطلين بالوراثة رفضوا كل إصلاح، ولا يمكن قبول تقسيمها إلى نبلاء فقراء فى الريف وأغنياء مدينين غارقين فى الديون والفجور- انظر مثلًا الرواية العظيمة “الفرسان الثلاثة”…

مؤرخ أثبت أن تقسيم الطبقات إلى أرستقراطيين وبرجوازية لا يعبر إلا عن جانب من الصورة، الجانب الآخر يقتضى الإقرار بأن الأرستقراطية الغنية والبرجوازية الغنية طبقة واحدة تعرف مصالحها جيدًا وتجيد الدفاع عنها- ضد القطاعات البرجوازية والأرستقراطية التى لا تعتبر غنية.

مؤرخ ثانٍ درس تشكيل مجالس وهيئات الشورى فى العصر الملكي، وأثبت أن كلام الثوار عن احتكار الأرستقراطية العضوية فيه كلام عارٍ عن الصح، كان للبرجوازية حضور قوي.

مؤرخ ثالث درس جانبًا من التحليلات والتصورات السابقة عن الأرستقراطية، التى كانت تعظِّم من شأن لجوء الملك إلى بيع الألقاب لأغنياء البرجوازية، وتتحدث عن توتر؛ أحيانًا مكتوم، وأحيانًا صريح بين أرستقراطية السيف (الأصلية)، وأرستقراطية الروب (لبس رجال القانون)، وهى التى أصبحت نبيلة بقوة المال أو من خلال خدمة الملك والدولة. أثبت المؤرخ أن هذا الكلام يصف الأحوال فى القرون السابقة، لكنه غير صحيح فى القرن الثامن عشر، منذ مطلعه اختفت ظاهرة شراء الألقاب بالمال، ومنذ النصف الثانى من القرن توحدت صفوف الأرستقراطية تحت زعامة أرستقراطية الروب، لمقاومة السلطة الملكية المطلقة وضغوط العامة.

مؤرخ رابع درس أحوال أرستقراطية محافظة تولوز، واكتشف، كما أسلفنا، أن التمييز بين نبلاء فقراء ونبلاء أغنياء غارقين فى الديون لا يستقيم، الغالبية العظمى لأبناء هذه الطبقة ما بين مستورة وميسورة، تدير الأراضى المملوكة بحصافة وكفاءة، وخصالها خصال تُنسب عامة إلى البرجوازية، أبناؤها منضبطون يوفرون المال ويجيدون استثماره ولا يفرِّطون فى أموال العائلة. ثم انتقل المؤرخ نفسه وطلابه ودرسوا أرستقراطية المحافظات الأخرى ووصلوا إلى النتيجة نفسها… المشترك بين الأرستقراطية والبرجوازية أكثر بكثير مما قِيل.

مؤرخة خامسة أثبتت أن كلام الثوار عن المزايا والامتيازات الضريبية التى تتمتع بها الأرستقراطية مُبالَغ فيه جدًّا، وأن أكثر فئة كانت تتمتع بامتيازات كانت الفصائل العليا للبرجوازية، وأن كل الطبقات فى فرنسا تئن بسبب الضرائب.

يتبع

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية