التأريخ لثورة فرنسا (2)
فى الأسبوع الماضى بدأت أتابع تأريخ الثورة الفرنسية، واخترتُ نقطة انطلاق ليست الوحيدة الممكنة، ولا هى الأقدم، ولكنها النقطة التى انطلق منها أكبر عدد من المؤرخين؛ وهى المقولة الليبرالية والماركسية التى ترى أن هذه الثورة ثورة برجوازية، هيمنت اقتصاديًّا وسعت إلى الإطاحة بطبقات سيطرت على النظام السياسى وحدَّدت قواعد اللعب فيه رغم تراجع دورها الاقتصادى ودور مصدر ثروتها- الملكية العقارية والأراضى.
أتناول هذا الموضوع لأسباب؛ أَضعفُها دور الثورة الفرنسية فى التاريخ الأوروبى والعالمى، ما يهمُّنى أكثر هو اقتراح طريقة- هى فى الواقع منهج العلّامة ماكس فيبر- للتعامل مع النظرية الماركسية، أو بمعنى أدق مع مقولاتها، طريقة لا تجاهل فيها ولا تأليه أو تقديس. مقولات ماركس فرضيات يجب اختبارها، تكون صحيحة أحيانًا، وخاطئة أحيانًا أخرى، وفى الحالتين فإن مناقشتها بجدية تعمِّق فهمنا لما حدث.
أستطيع تصور بعض الأحوال لا تجوز فيها إضاعة وقت فى اختبار مقولات النظرية؛ لأنه يبدو من أول وهلة أنها غير صالحة، بل “خارج الموضوع”. لكننى لاحظت على مدى سنوات عمرى استسهال أبعادها دون سبب حقيقى. فالكثيرون- وأنا منهم- لا يحبون فكرة الحتمية التاريخية ولا إلحادها العدوانى ولا ادعاء مريدى ماركس أن كلامه صحيح فى كل مكان وزمان. ولكننى أرى أننا نستطيع أن نتعامل مع وصفها للواقع دون التسليم به ولا بمسلَّماتها. بل أرى فى هذا فائدة كبيرة.
هناك أمر يثير فضولي؛ وهو أن التطور الهائل لفهم المؤرخين لحادث تاريخى لا يؤثر إلا ببطء شديد على نظرة الرأى العام إلى هذا الحادث، فالرأى العام يظل مؤمنًا بتفسير سطحى تافه، أو بما تقوله الذاكرة التاريخية الجماعية. لا يستمع إلى كلام المؤرخين ولا إلى أصحاب ذاكرة هامشية.
نعود إلى التأريخ للثورة الفرنسية وتطوره. قلنا- ملخِّصين بحثًا طويلًا جدًّا لوليام دويل- إن العلّامة لوفبر استطاع التوفيق بين المقولة النظرية السلِسة والواقع الشديد التعقيد، قائلًا إن الثورة الفرنسية كانت فى الواقع أربع ثورات متزامنة؛ أهمها ثورة البرجوازية ضد الملكية والأرستقراطية، وقلنا إن مؤرخًا أمريكيًّا- هو كوبان- قال إن الثورة فعلًا ثورة لعبت فيه فصائل من البرجوازية دورًا كبيرًا، لكن هذه الفصائل لم تكن صاعدة اقتصاديًّا واجتماعيًّا، بل متراجعة. ونضيف أنه قال إن هؤلاء الثوار كانوا برجوازيين، ولكنهم لم يكونوا من الرأسماليين، وأن الثورة الفرنسية أخَّرت صعود الرأسماليين فى فرنسا ولم تسهِّله. الثوار كانوا من صغار ملاك الأراضى، من الموظفين، من رجال القانون المتواضعين… أى من البرجوازية غير الرأسمالية.
ويقول دويل إن نورمان هامبسون ظهر هنا، وأقرَّ خلاصة أو نقطة انطلاق المؤرخين السابقين له- أن هناك تعارضًا جذريًّا فى المصالح بين الأرستقراطية والكنيسة من ناحية، وفصائل البرجوازية من ناحية أخرى، لكنه قال إن المؤرخين كلهم اتفقوا على كتابة تاريخ اقتصادى لأسباب ولاندلاع الثورة الفرنسية، بعضهم كتب تاريخًا يؤكد النظرية الماركسية، وبعضهم حاول إثبات خطئها أو على الأقل عدم دقتها، لكنهم ظلوا جميعًا أسرى مقولة الأهمية القصوى للاقتصاد، بينما يرى هو أن التناقضات والانقسامات الداخلية فى صفوف البرجوازية وصعوبة إرجاعها إلى اختلافات فى مصادر الثروة والملكية تفرض الاعتراف بأن الثورة كانت أولًا وقبل كل شيء صراع أفكار وليست صراع مصالح. ويشدد هامبسون على فكرته… دوافع كراهية من كره النظام الملكى القديم كانت فكرية، أيديولوجية، ولم تكن اقتصادية.
إلى هنا كان الكل يركز على دراسة البرجوازية وعلى تحليل البيانات الخاصة بها، وظهر هنا جيل من المؤرخين يتناول بالبحث والتحليل الأرستقراطية. وبالتدريج اتضح ظلم وفساد التصوير التقليدى لها، لم تكن الأرستقراطية طبقة من العاطلين بالوراثة لا تعمل، وتعتمد على استغلال المزارعين وتمنع أى تطور سياسى يقضى على هيمنتها.
يتبع
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية