التأريخ للثورة الفرنسية
أمضيت الشهر الماضى غارقًا فى الكتب التى تؤرخ للثورة الفرنسية، بحثًا عن أدوات وأفكار لتأريخ الثورات المصرية، هناك من سيشكك فى جدوى هذا نظرًا لاختلاف الدول والثقافة والتركيبة الطبقية، وقد أعود لمناقشة هذا الاعتراض فى مقال آخر؛ لأننى أريد أن أفكر فيه بجدية. أكتفى هنا بالقول بأننا- أنا وصديق آخر أَعدُّه أهم مؤرخ مصرى وهو الدكتور شريف يونس- توقعنا 30 يونيو وشكل النظام الذى يلى هذه الثورة، وأن توفيقنا فى هذا يعود إلى سبب بسيط؛ وهو إلمامنا بتحليلات ماركس حول توازن الضعف وفرضية عجز أيٍّ من الفاعلين عن حسم الصراع على السلطة لصالحه والخيار البونابرتى.
تعاملُ المؤرخين مع الثورة الفرنسية هو فى الواقع تعامل مع مقولة أجمع عليها ماركس وأغلب الليبراليين؛ وهى أن الثورة الفرنسية قامت بها وقادْتها البرجوازية ضد النظام الملكى والأرستقراطية؛ لأن تطورات البنية الاقتصادية أفقدت الثروة العقارية- وهى فى يد كبار المُلاك من الملِك والأرستقراطية- وضعها كالمصدر الرئيس والأهم للثروة والإنتاج، ليحلَّ معها الثروة التجارية والصناعية، وبسبب هذا التطور لم يعد للهيمنة السياسية للملِك وكبار المُلاك أى مبرر ولا أى أساس. ومع الثورة ترجمت البرجوازية نفوذها الاقتصادى إلى هيمنة على نظام سياسى جديد يعكس مصالحها ومطامحها وأحلامها، ويقضى على امتيازات الطبقات الحاكمة التقليدية التى استمدّت ثروتها ونفوذها من امتلاكها الثروة العقارية.
تعاملَ بعض كبار المؤرخين مع هذه المقولة وكأنها منزَّلة؛ أى لم يختبرها ولم يحاول إثباتها، بل اعتبرها مفتاحًا يفكُّ شفرة كل الأحداث، ولم يمنعهم موقفهم المسبق من كتابة تأريخ قيِّم ومؤثر، ولم يكونوا كلهم على الموقف نفسه من أهم أحداث الثورة ورجالها. وبعضهم تجاهل تمامًا الظواهر التى تُناقض المقولة المقدسة، وبعضهم تعامل معها بتقليل أهميتها ومغزاها. ولكن هذه الإستراتيجية لها حدودها.
قبل الحرب العالمية الثانية بقليل صدر كتاب لمؤرخ فرنسى ماركسى حاول أن يتعامل بجدية مع المشكلات التى تولِّدها المواجهة بين النظرية والواقع، وكان متمكنًا من الأرشيف ومن أدقِّ التفاصيل ومن المادة التاريخية ومن النظرية، فجاء اجتهاده قويًّا، وكانت الفكرة الرئيسة التى حكمت تأريخ العلّامة جورج لوفبر هى أن ثورة الفرنسيين ليست ثورة واحدة، بل أربع ثورات متتالية أو متزامنة، أولاها زمنيًّا هى ثورة أرستقراطية ضد الاستبداد الملكى واستعانت فيها الأرستقراطية بالبرجوازية، وبعد ما حققت الأرستقراطية أهدافها، حاولت إبعاد البرجوازية، لكن طموحات هذه الطبقة التى أيقظها الحراك دفعتها إلى الثورة ضد الملكية والأرستقراطية مستعينة بشعب باريس، وهذه هى الثورة الثانية.
أما الثورة الثالثة فهى ثورة شعب باريس ضد النظام، وأصبح الهجوم الشعبى على سجن الباستيل رمزًا للعملية كلها. وأخيرًا وبينما تتوالى الأحداث فى المدن كان الريف مسرحًا لثورة الفلاحين، سببها “الخوف الكبير” الذى أجاد صاحبنا وصفه ووصف دور الشائعات واختفاء بعض السلع فيه، وهذه الثورة كانت ضد “اتجاه التاريخ” كما يتصوره ماركس، وتريد فرض نظام لم يعد متفقًا ومتطلباتِ العصر.
وعلى المدى الطويل كانت ثورة البرجوازية هى التى نجحت فى تحقيق أهدافها وفى رسم ملامح، وفى تحديد معايير النظام الجديد. ويقول المؤرخ الأمريكى وليم دويل- استفدتُ من كتاباته كثيرًا ويَدين له مقالنا دَينًا كبيرًا- إنه لا يوجد تلخيص يستطيع أن يفى كتابَ لوفبر حقه.
وبدأت الاجتهادات تثرى معرفتنا للثورة، مؤرخ أمريكى انتبه لحقيقة تبدو واضحة وضوحًا يثير تساؤلات حول تجاهلها لفترات طويلة؛ وهى أن البرجوازية ليست متجانسة، مصالح وعقلية ومدركات التجار تختلف عن مصالح ومدركات كل من رجال القانون وكبار الموظفين ورجال الصناعة، وأن بعض فصائل البرجوازية كانت فعلًا صاعدة، بينما تعانى فصائل أخرى صعوبات وتراجعًا فى المكانة الاجتماعية، وأن الذين صنعوا الثورة لا ينتمون إلى الصاعدين، بل إلى الفِرق الخاسرة.
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية