خواطر مواطن مهموم (149)

خواطر مواطن مهموم (149)
توفيق اكليمندوس

توفيق اكليمندوس

6:38 ص, الأحد, 31 يوليو 22

عن جمال عبد الناصر

لا يوجد فى تاريخ مصر سياسى من نال من التأليه أو من الذم والتحقير ما ناله جمال عبد الناصر، أنصاره يصورونه وكأنه معصوم من الخطأ، والذين يقرون بأنه ارتكب أخطاء جسيمة ينسبون تلك الأخطاء لطيبة قلبه ووفائه لأصدقائه ورفقائه، أو يقلل من شأن تلك الأخطاء بوصفها تجاوزات، كلام خصومه متنوع، من التشنيع الصفيق، إلى النقد الأكاديمى (لم أقل: العلمي) لتجربته وجوانبها مختلفة.

ما يهمُّنى اليوم هو التشنيع الصفيق، بين من قال إنه عميل يهودى أو أمريكى أو سوفييتى، ومن قال إن عواطفه كانت تحرِّكه، وهذه العواطف- وفقًا لهم- هى الحقد الأسود على علية القوم وعلى الطبقات العليا، أو رغبة فى مجد شخصى دفعته إلى تجاهل حقائق القوة، أو عقلية صعيدية شديدة التمسك بالكرامة وبضرورة الانتقام من الذين أهانوا مصر أو أهانوه شخصيًّا، أو نهم مريض للسلطة والجبروت ولمعرفة أسرار الكل، وعبقرية فى المقالب والمكائد، وجهل بكونه جاهلًا، والقائمة لا تنتهى عند هذا الحد.

من يشيطن عبد الناصر يريد أن يصفى حسابات حقيقية أو وهمية، ويريد أيضًا أن يشيطن الاشتراكية والمواجهة مع الغرب فى إطار التحرر الوطنى، أيْ يريد أن يقنعنا بأن رحيل الاستعمار كان قادمًا حتمًا، وأننا لم نكن بحاجة إلى المواجهات والتضحيات التى أرهقت اقتصادنا، وبعضهم يريد أن يشيطن الوطنية؛ لأن صعودها أدى إلى رحيل المتمصرين واليهود وأبناء الجاليات الأجنبية الذين أسهموا فى التنوع الجميل الذى ميز بلادنا.

أستطيع أن أفهم الرفض المطلق للاشتراكية، ولكننى أرى أن القدح فى عبد الناصر لا يخدم أهداف الرافضين لها وقضيتهم، عندما تصر على اعتبار ناصر قائدًا سيئًا وغبيًّا، فإنك تقوم دون أن تدرى بخدمة قضية الاشتراكية، ففشلها- إن تر أنها فشلت- يعود، وفقًا لك، لمساوئ القائد، لا لفساد النظرية، النظرية قد تصلح إن أشرف على تطبيقها قائد كفء أو متوسط الكفاءة، الإستراتيجية السليمة لعدو الاشتراكية تقتضى أن يقر بأن ناصرًا كان قائدًا هائلًا واستثنائيًّا، حوله مجموعة وطنيين أكْفاء، ليقول إن فشل الاشتراكية يعود إلى كونها خيارًا فاسدًا…

وافتراض طيبة قلب الاستعمار وحتمية رحيله كلام مضحك، الاستعمار رحل لأن فوائد بقائه قلّت، وكلفته ارتفعت، وهذا يعود إلى جهود أجيال متتالية- وليس فقط جيل عبد الناصر. من الصعب جدًّا أن تؤرخ لتطور المدركات والأفكار المسبقة، ولكننى أزعم أننى قابلت وعرفت التعالى الاستعمارى وعجزه التام عن اعتبارك مساويًا له، رغم أن حياتى المهنية بدأت فى مطلع الثمانينات، هذا التعالى كان واضحًا فى سلوك أبناء الدول صاحبة ماضٍ استعمارى الذين وُلدوا فى الثلاثينات من القرن الماضى، ولم يتحسن الوضع إلا مع الجيل الذى وُلد بعد الحرب العالمية الثانية.

أعرف أيضًا أن الكثيرين منا متسرع فى اتهام الغربى بالعنصرية والتعالى، وأننا فى أحوال ليست بالقليلة من الظالمين ومن الراغبين فى نسب فشلنا لغيرنا، لكن التعالى العنصرى ظاهرة قابلتها حية بعد أن ولَّى عصرها المفترَض، وهى من ناحية أخرى ظاهرة تركت جروحًا عميقة فى نفوس وقلوب أبناء جيل والدى (وهو جيل عبد الناصر) عانوا منها بشدة طول حياتهم.

يقودنى هذا إلى وصف البعض لعبد الناصر بالصعيدى الحريص على كرامته المتعطش للانتقام لها ولردّ الصاع صاعين وإلى نقد هذا السلوك الناصري؛ لأنه- وفقًا لهم- غير عقلانى لا ينفع فى السياسة. سأعود لاحقًا إلى الموضوع. هنا أكتفى بقول ما يلى. لا نستطيع أن نعرف لو كانت الرغبة فى الانتقام للكرامة المهدرة دافعًا حقيقيًّا نابعًا من أعماق قلب ناصر، أم كانت تمثيلًا يستهدف الحشد والتعبئة. أيًّا كان الأمر كان هذا الموقف العاطفى من متطلبات المرحلة، ونستفيد إلى اليوم من الرسالة التى فرض ناصر على الجميع الاستماع إليها.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية