خواطر مشتتة حول صورة الولايات المتحدة
31 مارس 1814 يوم شاهد حدثًا جللًا… دخلت قوات القيصر الروسى باريس منتصرة وأسهمت فى إنهاء حقبة نابليون.
من سنة 1815 إلى 1848 كان القيصر رمز الطغيان وشرطى القارة الأوروبية، حامى الأنظمة الملكية المطلقة المستبدة والإمبراطوريات، قامع ثورات الشعوب، عدو أنصار المذاهب الديمقراطية- لا يعنى هذا أنه كان يعارض كل إصلاح، بل قد يؤيد بعض الثورات إن قامت ضد أعداء له. ولكن دوره الرئيس كما حدده لنفسه اقتلاع أفكار الأحرار ومنعهم من الوصول إلى الحكم.
وفى بدايات الثلث الثانى من القرن التاسع عشر كتب الفرنسى العظيم ألكسيس دى توكفيل أن المؤشرات تقول إن شعبين قاما ويتقدمان للأمام بخطى سريعة، وأن أحدهما رمز العبودية والطغيان، وثانيهما يجسد الديمقراطية والحرية، وأن هذين الشعبين الروسى والأمريكى سيدخلان إن آجلًا أم عاجلًا مواجهة مرعبة.
أذكّر القارئ بأن الولايات المتحدة أمضت العقود التى تلت استقلالها تتوسع وتضم أراضى جديدة، شأنها شأن الإمبراطورية الروسية. وأذكّره أيضًا بأن الولايات المتحدة اشترت سنة 1867 إقليم ألاسكا وكان مملوكًا لروسيا.
وشاعت نبوءة توكفيل فى دوائر المهتمين بالسياسة… صدام قادم بين شعبين عظيمين؛ لكل منهما نظامه السياسى وثقافته، وكان واضحًا أن النظام الروسى هو فعلًا رمز الطغيان والسلطة المطلقة ورفض فكرة تمتع أفراد الشعب بأى حق من الحقوق، ووجود مؤسسة دينية رجعية جاهلة منغلقة. وكان واضحًا بالنسبة لتوكفيل أن الولايات المتحدة هى أول دولة تقيم مجتمعًا ديمقراطيًّا فى العالم، لاحظوا أننى قلت مجتمعًا ولم أقل نظامًا، توكفيل يرى أن الديمقراطية هى حالة مجتمعية تسوِّد معيار ومبدأ المساواة بين المواطنين وتسعى إلى تحقيقه وتعميقه. والمجتمع الأمريكى لم يمرّ بمرحلة إقطاعية عرفتها كل أوروبا بدرجات متفاوتة وسِمتها الرئيسة وجود أسياد لهم حقوق كثيرة وشعب له بعض الحقوق أو لا حقوق له.
توكفيل كان أرستقراطيًّا حفيد محامى الملك لويس السادس عشر، وأيامها قتل الثوار الموكل والوكيل، ولم يكن مفتونًا بالديمقراطية، ولكنه فهم أن المجتمع الأرستقراطى إلى زوال، وأن مستقبل العالم الغربى سيشهد تعميم الديمقراطية، وكان يعرف كيف تعامل الديمقراطية الأمريكية الهنود الحمر والسود، ولذلك لم يقع فى فخ تقديسها.
ولكن غيره وقع فيه، وهذا مفهوم إن كنت تتصدى لنظام كالنظام القيصرى، أو إن كنت تواجه شمولية متوحشة كالنظام النازى أو النظام الشيوعى الستالينى… فى عالمنا الخير المطلق غير موجود، ولكن الشر المطلق يظهر بين الحين والآخر.
الولايات المتحدة لها سياسة خارجية نشطة، وتكون فى أحوال كثيرة عدوانية، ولا تتورع عن الدفاع بعنف ووقاحة عن مصالحها وعن التصرف بصلف وجبروت كأى إمبراطورية، ولا تتردد فى التحالف مع شياطين صغيرة أو كبيرة، إن خدموها وحققوا أغراضها، ولكننا نجد أحوالًا ليست قليلة تفرض فيها آليات وديناميكيات الصراع الدولى على واشنطن دور المدافع عن المبادئ السامية والقيم النبيلة والشعوب المقهورة… وسواء كانت قوة غاصبة أو ملاكًا منقذًا تمتلك الولايات المتحدة قدرات نادرة وهائلة على عولمة أحلامها وثقافتها وتقاليعها ومنتجاتها وملابسها وفنها.
ما أريد قوله إننا فى المنطقة عانينا إمبريالية واشنطن وجرائمها وانحيازها وحماقاتها وتشنيع خطابها السياسى، لذلك نرفض أن نعترف بوجود وجه مشرق لها، وجه أنقذ الحضارة وتصدّى للشر المطلق مرات ومرات، ونسينا أن الولايات المتحدة لعبت دورًا كبيرًا فى نزع الشرعية عن الاستعمار، وأنها أنقذت أوروبا مرات ولعبت دورًا رئيسًا فى إعادة بنائها، وتصدّت للإمبريالية اليابانية بحسم.
لواشنطن ميل قوى إلى اعتبار أن دورها المشرق الذى لا ينكَر دور تقوم به باستمرار وفى كل مكان، وأن كل تصرفاتها تندرج فى خانة الدفاع عن الخير، وأن الدور المشرق فى أحوال معينة يبرر سلوكًا وقحًا فى الأحوال العادية.
يتبع
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية