خواطر مواطن مهموم (144)

خواطر مواطن مهموم (144)
توفيق اكليمندوس

توفيق اكليمندوس

6:14 ص, الأحد, 19 يونيو 22

مشوارى مع روسيا والاتحاد السوفييتى (3)

مشوارى الدراسى فى فرنسا- فى معهد باريس للعلوم السياسية- بدأ فى أكتوبر 82، وآنذاك لم يكن بهذا المعهد العريق قسم للدراسات العربية والإسلامية، ولذلك التحقت بقسم الدولة والإدارة العامة فى الدراسات العليا للعلوم السياسية. دفعة الدراسات العليا بها ثلاثون طالبًا يختارون إما قسم الدولة والإدارة العامة، أو قسم علم الاجتماع السياسي، أو قسم العلاقات الدولية. وكانت الدراسات العليا تستمر سنتين، وكانت المحاضرات تنقسم إلى محاضرات تخص طلاب السنتين الأولى والثانية، ومحاضرات تخص كل طلبة أولى، ومحاضرات خاصة بكل تخصص. باختصار تعرفتُ فى سنتين على تسعين طالبة وطالبًا- أبناء الدفعة التى سبقتني، ودفعتي، والدفعة التى جاءت بعد دفعتي، يضاف إليهم بعض الطلبة الذين يحضرون امتحان القبول فى المعهد القومى للإدارة، فكانوا يذاكرون بجوارنا فى قاعة صغيرة مخصصة لهم ولنا.

كان هناك «سيمنار عام» يعقد مرة فى الأسبوع، وعلى طلبة الدفعتين الحضور. والسيمنار كان قائمًا على مناظرة بين أكاديمى يعرض لكتاب حديث الإصدار له، وأكاديمى آخر ينتقد الكتاب ويحاول بيان فساد الأفكار الموجودة فيه. وأول سيمنار حضرته كان خاصًّا بلينين قائد الثورة البلشفية. الدكتور دومينيك كولا كان قد أصدر كتابًا اسمه اللينينية، يستعمل فيه مناهج علماء النفس فرويد ولاكان، وكان كولا يتهته ويتكلم بصعوبة، ولكن كلامه كان دررًا، وكان يناقشه دكتور ضخم الجثة عريض الابتسامة واسع الثقافة والخيال، أيامها كان شيوعيًّا، ثم مرت السنوات وانقلب وأصبح من كبار المدافعين عن الولايات المتحدة ومن المقربين لأجهزتها، وأمضيت سنوات أتساءل: هل هو عبقرى أم نصّاب أم مزيج من الاثنين. حسمت أمري… يكفى أن أقول إنه ظل ثابتًا على مقولة مفادها لن يستقر الشرق الأوسط ما لم تتصالح مصر وإيران، ظلت المقولة ثابتة وتبدلت حججه… عن الدكتور إلكسندر أدلر أتحدث.

طرحُ كولا كان عبقريًّا، أعتقد أنه انتصر فى المناظرة، ولكن الصراحة تقتضى أن أعترف بأننى غالبًا لم أفهم أكثر من نصف كلامه، هو قرأ كل ما كتبه لينين؛ مؤلفات ومقالات وتعليمات ومذكرات تم جمعها فى 55 جزءًا، ورأى أن هذه الكتابات هى العمود الفقرى لكل الأحزاب الشيوعية فى العالم، وأن كلام لينين مدخل ضرورى لفهم اللغة التى ابتدعها. وكان يقول إن لينين عبقرى فى إنتاج الهيستريا، أسلوبه فى الكلام، كلام ظاهره العقل ولكنه مجنون يُفقد أعصاب الخصوم، وبالبلدى يجنّنهم، مما يسمح للينين برفض الحوار معهم وبتصفيتهم لأنهم مجانين.

وكان يقول إن لينين لا يتكلم باسم الطبقة العاملة، الكلام باسم الآخر معناه أنك تعترف بأنه آخر، لينين كان يرى أن العامل غير المنضم بالحزب ليس عاملًا ولا عضوًا فى الطبقة العاملة، وكان يتصرف على أساس أن الحزب الشيوعى هو الطبقة العاملة وأنه لا توجد طبقة عاملة خارجه، ويدرس كولا تصورات لينين عن لجنة شئون الأفراد فى الحزب وهى لجنة كان من المفروض أن تحمى الأعضاء، ولكن لينين حوَّلها إلى أداة رقابة وقمع، أداة «تعالج» العضو غير الموافق على كلام القيادة؛ لأن اعتراضه يثبت أنه أصبح مجنونًا.

دفعتنى هذه المناظرة إلى شراء كتب وتجميع مقالات عن الشيوعية من ناحية، وعن الاتحاد السوفييتى من ناحية أخرى.

بعد هذه المناظرة بأشهر، شهد السيمنار مناظرة أخرى حول سباق التسلح وأزمة صواريخ برشنج ومشروعات حرب الكواكب، كان صاحب المقالات موضوع الندوة الدكتور ستانلى هوفمان، أحد كبار خبراء العلاقات الدولية أيامها، وعرَّفه مدير الندوة وهو المشرف على رسالتى العلامة جان لوكا قائلًا… لو أحدكم لم يقرأ ثلاثين صفحة على الأقل للدكتور ستانلى أثناء مشواره، فليعلم أنه «طروبش» لا مكان له فى مجلس العلم، وبلعنا أنا وغيرى الإهانة.

أطلقنا على المناظر الثانى اسم «ماستر يودا»… العملاق القزم.

يتبع

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية