خواطر مواطن مهموم «14»

خواطر مواطن مهموم «14»
توفيق اكليمندوس

توفيق اكليمندوس

6:44 ص, الأحد, 24 نوفمبر 19

كان للاتحاد السوفييتى سياستان خارجيتان، إحداهما سياسة دولة تشرف عليها الأجهزة المعنية، وتقوم على التفاوض بين دولة وأخرى وفقا لمصالح الدول وموازين القوى ومقتضيات التوازنات الدولية والإقليمية، والسياسة الأخرى هى سياسة الشيوعية الدولية وهى سياسة عقائدية تخريبية يشرف عليها الكومينترن ومهمتها الإشراف على الأحزاب الشيوعية فى العالم ونشر الشيوعية والتعجيل بالثورات وبسقوط الأنظمة الرأسمالية، وكانت العلاقة بين السياستين متغيرة مع تطور الوضع الدولى ومصالح وسياسة الاتحاد السوفييتى وطبائع حكامها.

ودفعت تلك الازدواجية خصوم الاتحاد السوفييتى إلى اتهامه بالكذب الدائم، وهو اتهام فى محله إلى حد كبير، ودفعت المحللين إلى القول إنه لا يمكن التفاوض مع الشيوعيين السوفييت إلا عندما يكذبون… وعندما يتصرفون كرجال دولة لا كعقائديين. ولا أريد الدخول فى المناقشات حول الأهمية النسبية للسياستين وهل هى سياسات لا تتقابل أبدا.. إلخ.

وخطر على بالى الأسبوع الماضى أنه يجب اختبار مقولة شبيهة فيما يتعلق بالولايات المتحدة. هل يمكن القول بأن للولايات المتحدة سياستين؟ إحداهما تحترم قواعد منظومة ويستفاليا الحاكمة للنظام الدولى والقاضية باحترام سيادة الدول واستقلالها وبعدم التدخل فى شئونها وتفكر بمنطق المصالح الوطنية والتوازنات والهيمنة، والأخرى عقائدية تسعى إلى نشر الديمقراطية معتمدة فى ذلك على تقارير حقوق الإنسان وتمويل المنظمات الحقوقية والدفاع عمن يزعم بالحق أو بالباطل أنه يدافع عن الديمقراطية.

ولكى لا أتجنى على إقامة تمييز صارم بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، فمن ناحية النموذج الديمقراطى وإن كان لا يصلح فى كل مكان وزمان على عكس ما يتصوره الأمريكيون إلا أنه أفضل بكثير من النموذج الشيوعي، ويمكن القول إنه أقل الأنظمة فشلا فى إدارة الإختلاف والتنوع، وأقلهم قمعا، وأكثرهم نجاحا فى الارتقاء بالإنسان – لا يرتقى به دائما ولكن الأنظمة الأخرى تحط منه وتبث أنماطا كريهة من السلوك، وأخيرا فهو نظام من السهل تطويره إلى الأحسن، وطبعا من السهل إفساده.

من ناحية أخرى وعلى عكس الشيوعيين يفضل الأمريكيون الحث على الإصلاح التدريجى أو على الأقل لا يستبعدونه. فى مطلع الثمانينات كان يمكن القول إنهم بصفة عامة لا يحبون الثورات ولكن الوضع تغير مع ثورات الشرق الأوروبى. أما الشيوعيون فالمناداة بالإصلاح إما مرفوضة أو تكتيك مرحلى.

لكن هذا التشخيص لا ينفى الازدواجية، فمن ناحية تحاول واشنطن دعم حلفائها ومن ناحية أخرى تتسبب – إراديا أم لا- فى زعزعة استقرارهم، فقال العالم الاستراتيجى الكبير لورانس فريدمان إن الولايات متحدة دولة خطرة على حلفائها، فهى مضطرة بمنطق الدولة الكبرى إلى التحالف مع بعض الدول المحورية، بصرف النظر عن طبيعة نظامها، ولكنها لا تحب هذا، لأنها كدولة مائلة إلى الفكر العقائدى وكدولة متصورة أنها حاملة رسالة عالمية – بث الديمقراطية- تريد أن يكون كل حلفائها دولا ديمقراطية، وحل تلك المعضلة والاحتفاظ بصورتها المتخيلة يقتضيان أن تسعى جاهدة إلى حث الأنظمة الحليفة على التغير. ولا ترى فى هذا عدوانية ولا لعبة مزدوجة، ففى تصورها هى تحاول التقرب من الشعوب وتخاطبهم قائلة أنا لست متضامنة مع حكامكم ولا أفرضهم عليكم، وتقنع نفسها بأنها تخدم مصالح الشعوب والدول عندما تطالبهم بالتحول الديمقراطى ولا تفهم حدة ردود الأفعال.

الفارق الجوهرى بين الدولتين أن المهمة العقائدية والذراع العقائدية للاتحاد السوفييتى نشآ مع النظام وكانا ركنا من أركانه، ظل فاعلا حتى فى فترات الاسترخاء، بينما الوضع أكثر تعقيدا مع الولايات المتحدة، ويبدو أن مهمة نشر الديمقراطية فى العالم اكتسبت زخماً مع انتخاب الرئيس جيمى كارتر سنة 76 ثم مع انتخاب الرئيس كلينتون ومع هجمات 11 سبتمبر.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية