الإعلام الغربى ومصر
قلنا فى المقال السابق إن الصحفى الغربى الشاب الذى يجيء إلى مصر لأول مرة يكتشف واقعًا صادمًا له، هو عامةً يسارى شديد اليسارية قادم من مجتمع يقدس المساواة القانونية والفعلية، وإن لم يحققها على الوجه الأكمل، مجتمع نجح فى الحد من السلطات بأشكالها المختلفة، وربما بالغ فى هذا مبالغة لا خيرَ فيها لأن وجود منظومات سلطة يضمن نقل الثقافة والمعارف من جيل إلى جيل. وهذا الشاب يؤمن بتآخى الشعوب ويحلم بثورات.
يكتشف مجتمعًا فيه فوارق اجتماعية صارخة، لا مساواة فيه، والسلطة فيه أيًّا كانت- السلطة السياسية، السلطة الدينية، السلطة العائلية، سلطة المدرس وسلطة المدرب- آمرة متحكمة لا تتورع عن القمع القاسي، فى هذا المجتمع العلاقات بين الرجل والمرأة معقدة صعبة ظالمة للطرفين، بل قُل ظالمة للرجل، وشديدة الظلم للمرأة، مجتمع يشتكى فيه الشباب أو أغلبيته من انسداد الأفق. مجتمع يقدس الوطنية والتدين وهى قيم تثير شكوكه عامة، وفضوله فى أحسن الأحوال.
أستطيع أن أخصص مقالات للفوارق التى تصدم صاحبنا، ولكننى أتصور أن المعنى المقصود وصل، وأضيف فقط أن إحدى سمات الثقافات اليسارية أو قُل العقلية اليسارية لأن المفكرين اليساريين الكبار أعمق فهمًا وأكثر دراية- الميل إلى نسب شكل وعيوب ومأخذ المجتمع- أيّ مجتمع- إلى فعل أو امتناع عن فعل واعٍ ومقصود للنخب. معدلات الإنجاب مرتفعة؟ هذا خطأ السلطة فهى لا تقوم بواجبها لتوعية الناس، وهذا القصور متعمد فالتركيبة السكانية الحالية تُشَرعن التسلط، النظام التعليمى فاشل؟ هذا هو خطأ السلطة، وهو مقصود فهى تستفيد من جهل الناس… الفقر مدقع؟ هذا خطأ السلطة التى لا تتبنى سياسات اقتصادية سليمة وتُجامل الطبقات المتوسطة والعليا فى كل الأمور ولا تتبع سياسات إعادة توزيع، وهلم جرًّا.
يصل الصحفى الغربى الشاب إلى نتائج، فى هذا المجتمع التغيير الشامل واجب، الثورة مستحبة، من يعمل على تغيير الأوضاع وقلب النظام يجمع بين الوعى السليم والشجاعة والاستعداد للتضحية ويجب دعمه والترويج لنضاله، السلطة الحاكمة لا تستمع إلى أنين المطحونين فواجبه كصحفى فارس ضمان وصول هذا الصوت إلى أصحاب القرار فى الغرب، ولا سيما هؤلاء الذين يدعمون مثل هذه الأنظمة. ولهذا الشاب مشكلة فى قبول فكرة وجود قيود على حركة الحاكم- أحوالنا المالية والتهديدات الخارجية مثلًا، وفى اختبار أو قبول فكرة أن نظامًا لا يتسم بالديمقراطية قد يكون راغبًا فعلًا فى تحسين أحوال المحكومين وقادرًا على تحقيق إنجازات. وإن فرضت الإنجازات نفسها فسيقوم بتسفيهها بحجج مختلفة؛ منها أن المقصود منها تنويم الشعب.
ولكى لا نبالغ فى نقد هذا الشاب وأسلوب عمله، علينا أن نذكر خصائص الخبر الإعلامي، كلب يعض إنسانًا- هذا ليس خبرًا، إنسان يعض كلبًا، هذا خبر، ارتفاع معدلات النمو… تقوية البنية التحتية… هذه ليست أخبارًا… حادث سكة حديد يقتل المئات وتأخر الإسعاف فى الوصول، هذا خبر. النجاح ليس خبرًا على عكس الفشل، حادث إرهابي، هذا خبر… ويميل صاحبنا إلى تفسيره بتغول السلطة وانتشار الظلم. هناك نوع من الشماتة الغبية… الحادث الإرهابى يثبت فشل الشرطة والدولة البوليسية، ولذلك فهو ليس شرًّا كله، وربما يكون الخير. ولا يعرف صاحبنا ولا يريد أن يعرف أن العنف والإرهاب اللذين سادا بعد الحرب العالمية الثانية وفى عصر السادات هما سبب نمو الأجهزة السيادية للدولة.
قد أتطرق فى مقال لاحق إلى الفئات العمرية والاجتماعية التى يقابلها هذا الشاب، وإلى صعوبة وصوله إلى كوادر بيروقراطية وسياسية لها خبرة فى إدارة الملفات وفهم لآليات عمل الدولة- نقاط قوتها ونقاط ضعفها، وأضيف أن هناك شبابًا يرى أن واجبه فهم حقيقى لأسباب عدم سقوط النظام ويدرك أنه ليس مسئولًا عن كل سيئات المجتمع.
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية