خواطر مواطن مهموم (135)

خواطر مواطن مهموم (135)
توفيق اكليمندوس

توفيق اكليمندوس

6:56 ص, الأحد, 10 أبريل 22

عن الانتخابات الفرنسية

هناك شيء أنا متأكد منه وأتمنى أن أكون مخطئًا… أيًّا كانت نتيجة الانتخابات الرئاسية الفرنسية سيكون حكم فرنسا- وهو دائمًا أمر بالغ الصعوبة- عملية شبه مستحيلة، مع تفاقم وتراكم المشكلات والأزمات، ورئيس أو رئيسة، مكروه أو مكروهة، كراهية لا حدود لها من نصف فرنسا، وربما أكثر.

منذ بداية ولايته تمنَّى الرئيس ماكرون انتخابات تشاهد مبارزة بينه كمرشح مستنير وسطى فاهم أصول الاقتصاد، وبين السيدة مارين لوبن… مرشحة متطرفة شديدة اليمينية غير كفؤة تمثل حزبًا فقيرًا فى الكفاءات. لتحقيق هذا الهدف كان عليه تدمير الحزبين الذين اعتادا حكم فرنسا ويمتلكان نصيبًا وافرًا من الخبرة والذاكرة المؤسسية.

حذّر معلِّقون من مخاطر هذه المقاربة؛ لأنها تفرض على الفرنسيين معادلة مرة- إما ماكرون أو متطرفين، وويلٌ للجميع إن اضطروا لاختيار المتطرفين. لم ينتبه رجال الرئيس إلى الاعتراض… الرئيس كان فضح عدم كفاءة مارين لوبن فى المناظرة بينهما سنة 2017 ولا يمكن لأحد التشكيك فى فَرق الكفاءة.

وسعى ماكرون إلى إضعاف وتفكيك حزب الجمهوريين اليمينى، بمغازلة الرئيس السابق ساركوزى، ومنح بعض حقائب وزارية لأبناء الحزب، منها رئاسة الوزارة ووزارة الداخلية. ولم يحتج إلى مجهود لإضعاف الحزب الاشتراكى الذى أظهر ميولًا انتحارية مذهلة ومضحكة…

وكان لماكرون ما سعى إليه جاهدًا، منافسة بينه وبين رموز التطرف، وساعده فى ذلك حملة كارثية لمرشحة حزب الجمهوريين. حملة أبرزت عيوبها، وأخْفت خصالها الحميدة.

ولكن تحقيق ماكرون هدفه قد يكون عقابًا ربانيًّا له… لأنه قد يخسر الانتخابات، أو يفوز بأغلبية ضئيلة.

مارين لوبن وجان لوى ميلانشون فى صعود مستمر منذ عشرة أيام، نصيبهم من الأصوات فى استطلاعات الرأى يرتفع يوميًّا، بينما يبدو الرئيس عاجزًا عن العثور على حجة أخرى لصالحه غير عدم كفاءة مارين لوبن وتطرفها.

أخطأ الرئيس، وابتسم الحظ لمارين لوبن. الرئيس أجّل بداية حملته بذريعة تفرغه لأزمة أوكرانيا، بدَت الحجة واهية كاشفة عن استعلائه، وغرضها تفادى الانتقادات حول حصاد ولايته الأولى، ولفتت نـظر الكثيرين إلى عجز الرئيس عن انتزاع أى تنازل من الرئيس الروسى، رغم كثافة تواصله مع الكرملين. أودّ أن أكون واضحًا… للرئيس إنجازات لا بأس منها، وإخفاقات لا تنكَر، ولكنه بدا كأنه متأكد أنه سيعاد انتخابه وكأنه يريد ليَّ ذراع الفرنسيين.

وابتسم الحظ للوبن، وفقت فى تحديد محاور مشروعها، كما أسلفنا الأسبوع الماضى، وفى إخفاء تطرفها دون التخلى عنه، وبدَت شخصية لطيفة تصارع متعجرفًا، وإنسانة متزنة تحترم مستمعيها، وأكثرت من اللقاءات فى القرى والأحياء والمدن المتوسطة، وخلقت انطباعًا بأنها تفهم الفرنسيين، وتحس بهمومهم ومشكلاتهم، باختصار، بدت عكس الرئيس الحالى.

أكتب هذا المقال، مساء الخميس، آخِر استطلاع للرأى يقول إن الرئيس سيحصل على 26 أو %27 ومارين لوبن على 23 – %24، وميلانشون على 17 – %18 النتيجة لا تعكس المشكلة وهى ديناميكية الموقف، من 15 يومًا كانت النسب كالآتي: لماكرون %31، ومارين %17، وميلانشون %12 يمكن تفسير صعود المتطرفين باتجاه ناخبى المرشحين الآخرين لحسم أمرهم وانتخاب مرشح فرصه أفضل، لكن هذا لا يفسر التراجع الحادّ لماكرون، أخشى أن يكون التفسير أن ما قاله بعد دخوله ساحة المعركة هو سبب التدهور.

لأول مرة وبعد سبع محاولات فاشلة يمتلك فرد من عائلة لوبن فرصة جادة للفوز بالرئاسة، وهذا زلزال مرعب، إن فازت سنواجه وضعًا فريدًا… محافظات فرنسا فى واد، والعاصمة والنخبة فى واد آخر، العاصمة والنخبة يمكنهما تعطيل تنفيذ برنامج مارين فى شقه العنصرى، وحال الميزانية وضغوط الاتحاد الأوروبى سيعقدان أو يمنعان تنفيذ شقه الاقتصادى، وإذا انتخب الرئيس ماكرون سيعانى ضعف الفارق، ومن هشاشة شرعيته؛ لأن الكل سيقول إنه تصرف بطريقة منعت أى نقاش جاد لحصاد ولايته وبرنامجه.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية