خواطر مواطن مهموم (132)

خواطر مواطن مهموم (132)
توفيق اكليمندوس

توفيق اكليمندوس

4:09 ص, الأحد, 20 مارس 22

بوتين وروسيا

أتابع الشأن الروسى منذ أيام المراهقة لأسباب عديدة٬ أولًا ذهولى أمام عمالقة الأدب الروسي٬ لا يوجد إنسان كتب أدبًا رفيعًا مثل أدب تولستوى ودوستويفسكي… مع فارق بينهما… الأول يحتاج إلى وقت وقراءة متأنية٬ تقرأ عشرات الصفحات ثم تترك الكتاب بضعة أيام لتهضمه ثم تعود إليه٬ بينما تقتضى قراءة الثانى ترك الدنيا لبضعة أيام والغرق فى الكتاب دون انقطاع؛ لأنه لا يخاطب عقل وقلب القارئ فقط، وإنما يطرق أيضًا باب العقل الباطن٬ ومن ناحية أخرى أحسب أن تولستوى أكثر فهمًا للمرأة من دوستويفسكى الذى يجيد وصف النساء التى تجمع بين التسلط والهيستريا٬ ولكنه لا يُظهر نفس الكفاءة فى وصف غيرها… وطبعًا علاقات الاثنين بالأيديولوجيات السائدة فى روسيا فى عصريهما مختلفة.

ثانيًا كنت ناصريًّا فى شبابي، وكانت الماركسية تثير فضولي٬ كنت تلميذًا فى مدرسة الجزويت وكان الآباء اليسوعيون يبذلون قصارى جهدهم لتوعيتنا بالقضايا الاجتماعية وبالظلم الذى يلحق الفقراء٬ وكانت إحدى الروايات المقررة علينا شديدة الثناء على الشيوعية الصينية٬ ومن ناحية أخرى كانت علاقتى بدينى معقدة٬ وأقول لولا الحديث المطول مع أب يسوعى مالطى الجنسية لألحدتُ؛ لأن التوظيف الرجعى للدين كان منفرًا لي.

ووجدت فى مكتبة المركز الثقافى الفرنسى كتبًا تعرض للفكر الماركسى وتقبله٬ وأخرى تعرض له وترفضه٬ وكتبًا تروى وتؤرخ لروسيا قبل وأثناء الحكم الشيوعي. أكون كاذبًا لو ادعيت أننى فهمت كل ما قرأته أيامها أو حتى نِصفه. ولكننى فهمت ثلاث رسائل أساسية٬ أولًا هناك مشكلات جسيمة فى مفهومى المادية الجدلية والحتمية التاريخية تفرض- بالنسبة لى على الأقل- رفض الماركسية رفضًا باتًّا٬ مع احترام عميق لمساهماتها فى تعميق فهمنا٬ وثانيًا السلطة فى روسيا شديدة البطش فى عصور القياصرة٬ بطش لا مثيل له فى العالم؛ لأنها لا تعترف بأى حق للشعب الروسي٬ ولأنها تخشى أى نوع من أنواع الخطاب٬ والنظام الماركسى اللينينى أسوأ بكثير، والمجازر التى نظمها فى روسيا وغيرها إدانة دامغة لفهم لينين وغيره لماركس، وغالبًا لماركس نفسه٬ وثالثًا على مر العصور ورغم تفاوت حدته من عصر لآخر فإن كذب السلطات والنخب الروسية على الغير كذب دائم ومنهجى ويختلف كيفًا عن الكذب العادى والمعتاد فى السياسة… فيما يتعلق بالنقطة الثالثة غيرت رأيى اليوم… ليس لأننى أرى أن الاتهام ظالم لروسيا٬ بل لأننى فقدت الثقة فى قدرات ساسة وإعلاميى الغرب على قول الحقيقة ولو بعد حين.

يبقى أن الغرب استطاع أن يطرح بجدية سؤال “لماذا يكرهوننا”، ومهما كان رأيى فى الردود على السؤال فإنه طرح بصدق٬ وأن الروس لم يطرحوا نفس السؤال قط؛ لأنهم يعتقدون أن الرد فارض نفسه… الخطأ فيمن يكرههم وليس فيهم… اتفق ستالين مع هتلر لاحتلال بولندا واقتسماها سويًّا٬ ذبح ستالين 22 ألف ضابط ومثقف بولنديين كانوا أسرى عنده ولا يحاربونه٬ احتل الاتحاد السوفييتى بولندا 35 عامًا وغيَّر حدودها لصالحه وأثناء تقدمه فى السنة الأخيرة من الحرب اغتصب جنوده عشرات الآلاف من نسائها وسرقوا كمًّا مهولًا من محتويات الشقق والمتاحف… والآن يتبجح الروس ويتهمون بولندا بنكران الجميل ويرون فى سعيها إلى الحماية الأمريكية دليلًا على فاشية الفكر البولندى ونازيته٬ والمشكلة ليست فى البجاحة فقط، بل فى كون الروس يصدقون أنفسهم.

ويبقى أن الكلام الغربى متنوع٬ وقادر على الاعتراف بجرائم دوله٬ والإعلام والجامعات الغربية يهمشون الأصوات التى لا تعجبهم تهميشًا قاسيًا، ولكنهم لا يقتلون أصحابها ولا يعتقلونهم.

وتلعب روافد ثقافية مختلفة دورًا هامًّا فى الاحتقار الروسى لمفهوم القانون وهو احتقار مذهل٬ لستُ من أنصار موقف كانط الذى رأى أن القانون يجب أن يحكم كل جوانب العمل السياسي٬ ولكن موقفى شيء، والاحتقار الكامل للقانون شيء آخر.

يتبع

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية