الصورة الذهنية للرئيس بوتين وللغرب
لا أعتقد أن صفحتى على موقع الاتصال الاجتماعى مرآة جيدة للرأى العام المصرى، ولكننى فوجئت، هذا الأسبوع، بعدد المدافعين عن الرئيس الروسى بوتين وعن آخِر أفعاله فى السياسة الخارجية؛ وهو الهجوم على أوكرانيا. طبعًا هناك عدد كبير من الناس يؤيدون موقفًا يشبه موقفى الرافض لسياساته، ولكننى أريد مناقشة دوافع وحجج الذين يسلكون مسلكًا مغايرًا- دون التورط فى زعم أنهم أقلية أو أغلبية.
أشير أولًا إلى تبِعات سياساته لمصر، سترتفع أسعار القمح فى العالم، ولا سيما أن الجفاف أضرّ محصول دول أخرى سياساته، قد تشجع دولًا مناوئة لنا على محاولة تغيير المعادلات الإقليمية بطريقةٍ لا تكون فى صالحنا وسترتفع تكاليف التصدى لها. نعم أسعار الغاز سترتفع، ولكننى لست متأكدًا من أن هذا سيكفى لتعويض الخسائر، ولا سيما أن ارتفاع أسعار البترول مُضرّ بنا. وأخيرًا لا أعرف بالضبط تأثير سياساته على حركة السياحة فى مصر، ولكننى أظن أنه سيكون سيئًا، وعلى أحسن الفروض لن يكون هناك تأثير.
باختصارٍ، هناك من يدافع عن سياسات رجل تضر بنا ضررًا ملموسًا وقد يكون شديدًا، كيف نفسر هذا؟ لا يمكن إرجاع هذا إلى العلاقات التاريخية مع روسيا فأغلبنا لا يعير لها الاهتمام الواجب، ولا يعرف تفاصيل تطورها، وفى المقابل أرفض سياسات الرجل الحالية رغم إدراكى لما فعله الاتحاد السوفيتى مع ولمصر ورغم- أو بسبب- إعجابى بالشعب الروسى وثقافته وعزيمته، وبرغم رفضى لعدد كبير من السياسات الغربية فى منطقتنا وغيرها.
يبقى تفسيرات من نوع الحنين إلى الرجل القوى وإلى سياسات القوة، رفض وكراهية الغرب، وافتراضات من نوع الغرب دائمًا على خطأ، ومن ثم هو على خطأ فى هذا الملف، أو أى إضعاف لهيمنة الغرب على النظام العالمى سيكون لصالحنا، أو باطل يحارب باطلًا، وهذا جيد لنا.
أبدأ بمناقشة الحجج المنبثقة من الكراهية للغرب. روسيا لم تعتدِ على شعب غربى بل على شعب شرقى تريد أغلبيته الانتماء إلى الغرب، وأى مطَلع على تاريخ أوروبا الشرقية، ولا سيما على تاريخ روسيا وأوكرانيا وبولندا آخِر 120 سنة، سيفهم رغبة وارسو وكييف فى حماية من الغول الواقف على حدودهم، هناك مؤرخ كتب كتابًا هامًّا اسمه «أراضى الدم» يعرض ما حدث للشعبين على يد كل من الاتحاد السوفيتى وألمانيا. سأكتفى بالقول إن ما لا يقل عن عشرة ملايين من أبناء الشعبين ماتوا بسبب سياسات موسكو وبرلين.
عينة أخرى من الحجج التى تساق هى تلك التى ترى أن أوكرانيا هى ضحية الغرب وليست ضحية بوتين، أو أنها دمية يحركها الغرب، ومن ثم تستحق ما جرى لها. وهى حجج عجيبة فالقوات التى اجتاحت البلاد روسية وليست غربية، والذى ينكر وجود شعب أوكرانى ودولة أوكرانية هو الرئيس الروسى وليس زعماء الغرب، وأقول- فى جملة عارضة- إننى مستغرب من تسامحنا مع مثل هذه المقولة وسياسات روسيا… كم عانينا من ادعاء جولدا مائير أنه لا يوجد شيء اسمه الشعب الفلسطينى. وكم عانى الفلسطينيون من الاحتلال…
هذا لا يعنى أننا لا نستطيع نقد التعامل الغربى مع هذا الملف نقدًا لاذعًا، ونقد السياسات طويلة الأمد التى أدت إلى عجز عسكرى كامل لأوروبا، ونقد التناقض الدائم بين الأقوال والأفعال، ونقد الجهل الإستراتيجى المريع للقادة المدنيين فى الغرب، وسباتهم الطويل، ونقد الأنانية والفردية ورفض بذل مجهود وتضحيات. ونقد تواطؤ قطاعات من النخب مع روسيا… ولكن الجنود الذين يدمرون أوكرانيا هم جنود روس.
وطبعًا مقولة «أوكرانيا دمية الغرب» مقولة فيها احتقار لشعب يجمع الجميع على الإشادة بشجاعته وشتيمة للضحية بدل التضامن معها، وهى إهانة شعب اختار الطريق الصعب لنيل حريته وللحصول على حقوقه الطبيعية.
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية