خواطر مواطن مهموم (106)

خواطر مواطن مهموم (106)
توفيق اكليمندوس

توفيق اكليمندوس

7:07 ص, الأحد, 19 سبتمبر 21

مرحلة جديدة فى الصراع الدولى

بعد الانسحاب من أفغانستان بقليل تم الإعلان عن اتفاق أمريكي/ بريطاني/ أسترالي٬ بمقتضاه تمدّ الولايات المتحدة أستراليا بغواصات ذات محرِّك وقوده نووي٬ وفيها تكنولوجية أمريكية وبريطانية٬ وتعلن الدول الثلاث سعيها إلى تنمية مشتركة لقدراتها وتكنولوجيتها العسكرية.

الاتفاق موجّه، كما هو واضح، ضد الصين٬ ويتوج سياسة أسترالية انتبهت مؤخرًا إلى الخطر٬ ويعتبر رد كانبيرا على عقوبات اتخذتها الصين بعد أن طرحت أستراليا سؤال مسئوليتها عن تفشّى الكوفيد، ولا يمكن التقليل من أهمية هذه الخطوة الأسترالية التى تقبل أن تكون فى مقدمة الدول التى تواجه العملاق الصينى.

وهذا الاتفاق هو المرة الأولى منذ عقود تقبل فيه الولايات المتحدة نقل تكنولوجيا نووية إلى حليف لها. فى الخمسينات ساعدت الولايات المتحدة المملكة المتحدة على تطوير سلاحها النووى، ثم لم تفعلها بعد ذلك. أقرّت إدارة بايدن بمخاطر تلك المبادرة، ولكنها أضافت أن المكاسب المنتظرة من انضمام أستراليا إلى جبهة مضادة للصين تجعل المخاطرة مقبولة.

هذا الاتفاق دعم قوى لسياسات رئيس الوزراء البريطانى بوريس جونسون الساعية إلى التواجد القوى فى منطقة المحيطين الهندى والهادي٬ وإلى إثبات حكمة قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي٬ وهو أيضًا هدية من السماء ومن واشنطن إلى الهند؛ لأنه يخفف عنها عبء التصدى للصين فى البحار.. وإن ظلت قضية مواجهة الصين فى البر قضية مُلحّة.

ولكن هذا الاتفاق صفعة قوية لفرنسا أولًا، ولدول الاتحاد الأوروبى ثانيًا.. فرنسا كانت قد وقّعت عقدًا مع أستراليا قيمته 56 مليار يورو، بمقتضاه تمد فرنسا أستراليا بـ12 غواصة تستخدم وقودًا غير نووي٬ وكان من المفروض أن تسلِّم فرنسا الغواصة الأولى سنة 2032، وتم إلغاء هذا الاتفاق، وصرح رئيس الوزارة الأسترالى بأن احتياجات بلاده تغيرت.

هذا ثانى عقد تسليح كبير تخسره شركات فرنسية لصالح شركات أمريكية فى أسابيع٬ إذ قررت سويسرا تفضيل الـF 35 على طائرة الرافال٬ ولكن خَسارة الصفقة الأسترالية أفدح وأمرّ٬ ولا سيما أن فرنسا كانت تبذل مجهودًا ضخمًا لإقناع دول الاتحاد الأوروبى بضرورة التواجد العسكرى فى المحيطين الهادى والأطلسى.

وزعمت فرنسا أنها آخِر مَن يعلم٬ وأن هذه ثانى مرة فى أشهر معدودة تتلقى فيها هى وأوروبا ضربة موجعة من الحليف الأمريكي٬ الذى تُفاوض من ورائها دون أية إخطار٬ وقارنت سلوك الرئيس بايدن بسلوك ترامب المحتقر لأوروبا.

وأشارت تقارير صحفية إلى بيان مشترك فرنسي/ أسترالى صدر منذ عشرة أيام أكد التزام الطرفين بالصفقة٬ ولكنه فى المقابل قال رئيس الوزراء الأسترالى إنه أبلغ الفرنسيين، فى يونيو الماضى، بوجود مشكلات٬ وأستطيع أن أقول إن هناك فى الدولة الفرنسية مَن كان يعلم أن الصفقة فى خطر.

لكى نفهم قوة الضربة، علينا أن ندرك أن الصناعات الحربية الأوروبية تحتاج بشدة إلى التصدير لتعيش؛ لأن مشتريات الجيوش الوطنية الأوروبية متواضعة لا تكفى لتغطية نفقات البحث العلمى وابتكار التكنولوجيات وغيرها مما يصاحب عملية تصميم وإنتاج سلاح جديد٬ وهى فى ذلك تختلف عن الصناعات الحربية الأمريكية.

وأشارت تقارير صحفية إلى احتمال طلب الولايات المتحدة من الهند أن تشترى غواصات فرنسية لتعويض فرنسا عن الخسارة التى لحقتها ولحثّها على مواصلة مجهودها فى منطقة المحيطين الهادى والمتوسط، ويبدو لى أن هذا لن يكفى.

فرنسا ليست وحيدة فى غضبها٬ ألمانيا تحس بأن الضربة الموجهة لباريس موجهة لكل أوروبا٬ وتخشى أن تؤدى تقوية الحلف الأنجلوساكسونى إلى تهميش الاتحاد.. وترى أن لا بد لأوروبا أن تسعى إلى استقلالية إستراتيجية٬ وعلى العموم تكتشف الدول الأوروبية يوميًّا أن لضعفها العسكرى تبعات.

وهناك من يرى فى التطورات الأخيرة ما يدفع روسيا إلى مراجعة حساباتها وحلفها مع الصين٬ لكن هذا الكلام سابق لأوانه.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية