خواطر مواطن مهموم (102)

خواطر مواطن مهموم (102)
توفيق اكليمندوس

توفيق اكليمندوس

7:14 ص, الأحد, 22 أغسطس 21

زلزال آخر فى أفغانستان

أنا مضطر إلى ترك مؤقتا ما أريد قوله عن دروس حرب القوقاز لأتناول حديث الساعة حول الانسحاب الأمريكى من أفغانستان وانهيار الجيش الأفغانى ودخول الطالبان كابول وعودتهم إلى الحكم.

أعتقد أن قرار الانسحاب كان قرارا سليما من الناحيتين السياسية والاستراتيجية، ولكنه تم تنفيذه بطريقة فيها من الرعونة والغباء والتصلب ما أضر بمصداقية الولايات المتحدة ضررا بالغا.

لا أريد رصد الأخطاء فهى لا تحصى ولا نعرف كل شيء. أكتفى فقط بذكر بعضها. بدأ المسلسل مع عدم إشراك الحكومة الأفغانية فى المفاوضات مع طالبان وكأنها ليست رقما فى المعادلة. أعرف ما قيل فى تبرير هذا ولكننى لا أراه كافيا لنعذر هذه السقطة.

ثانى خطأ يخطر هو الإصرار على الانسحاب مهما فعلت طالبان والجهر بهذا الإصرار. عندما يصبح الانسحاب من المعطيات ولا يعد ورقة أساوم بها العدو يتمتع هذا العدو بحرية حركة كبيرة ولا يحتاج إلى تخصيص وقت لتوقع ردود أفعالى.

ثالث خطأ هو الطريقة التى أدير بها الانسحاب، تقاتل مع الجيش الأفغانى فى نفس الخندق، وفى اليوم التالى يفاجأ هذا الجيش بأنك أخليت مواقعك، وأغلقت القاعدة التى تمركزت فيها قواتك، ولم تترك شيئا، ولم يخطر على بالك إخطاره بنيتك، ولم تعطه مهلة.

رابع خطأ.. عدم التفاوض مع من كان يقوم بإمداد الجيش الأفغانى بالذخيرة والأكل والكساء، ليظل يقوم بمهامه.

خامس خطأ.. عدم استماع القيادة السياسية إلى تقييم رجال المخابرات والجيش حول حقيقة الأوضاع. يحاول الآن الرئيس بايدن إلصاق التهمة إلى أجهزة الدولة المعنية لأنها وفقا له لم تقم بإخطاره بما يجرى. ومن الواضح أن هذه التهمة يجانبها الصدق والصواب. فى خطاب بايدن الكل مسؤول عن الكارثة: الرئيس السابق ترامب، الجيش الأفغانى، أجهزة الدولة الأمريكية، الرئيس الأفغانى، الكل مسؤول ومخطئ ما عدا الرئيس نفسه وفريقه. عيب.

سادس خطأ هو عدم التصدى لطالبان ولو بقصف جوى قوى عندما لم تلتزم بما تعهدت به وقامت بهجوم شرس قبل انسحاب الأمريكيين. حاول بايدن تبرير هذا قائلا إن مثل هذا التدبير معناه العودة بأعداد كبيرة وعدم الخروج من المستنقع ولكننى غير مقتنع. وعلى العموم النتيجة واضحة.. لن يتم إجلاء من يجب إجلاؤه بطريقة منظمة وإنسانية.

يعلم الله أننى مدرك تماما لصعوبة عملية اتخاذ القرار السياسى، ولسهولة النقد، فالبدائل التى يتم الترويج لها من قبل المعارضين لم تختبر فى الواقع على عكس ما تم تنفيذه، ولكل قرار ما له وما عليه، مثال سهل… لقد جربت كل إدارة أمريكية مقاربة جديدة للملف الأفغانى، وفشلت كلها، نستطيع أن نشيد بتعلم كل إدارة من أخطاء سلفها، ونستطيع أن نقول إن عدم الاستمرار على نهج واحد من أسباب الفشل. أين الحقيقة؟ لن نعرف قبل دراسة طويلة وعميقة للأرشيف. القصد.. رغم أننى أفضل التأنى قبل توجيه النقد إلا أن سلسلة الحماقات هنا مذهلة.

إشارة سريعة إلى التبعات. لن أدخل لعبة تحديد الرابحين والخاسرين. أنبه فقط إلى إمكانية انقلاب السحر على الساحر. قد يندم من دعم طالبان على فعلته. طبعا أتحدث عن باكستان وإيران وروسيا. ولن أخوض مغامرة رسم سيناريوهات مستقبلية. الأسباب كثيرة منها أننى لا أعلم شيئا عن التفاعلات الداخلية فى حركة طالبان، ولا أعلم إن كان الإرهاق أو النشوة أو الإدراك بضرورات الاقتصاد أو الحرص على تماسك التنظيم هم أسياد الموقف.

ما أريد أن أقوله يطول.. وألخصه فى سؤال لإدارة بايدن، هل تعتقدون أن هناك من سيثق فيكم بعد ما حدث؟ هل تعتقد أنكم تستطيعون حشد الدول الأوروبية لمواجهة الصين؟ تابعوا ما يقال فى دوائر الحكم فى المملكة المتحدة..

يتبع

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية د.توفيق اكليمندوس