جمال عبد الناصر.. تفكير بعد خمسين سنة

جمال عبد الناصر.. تفكير بعد خمسين سنة
طارق عثمان

طارق عثمان

6:24 ص, الأحد, 6 ديسمبر 20

مجال نجاح(9)

الحلقة السابقة من هذه السلسلة دارت حول معنى فشل الوحدة مع سوريا، ودلالاته على أسلوب العمل الذى بدأ يظهر وقتها. حلقة اليوم عن نجاح، فى الفكر وفى أسلوب العمل.

معركة الجزائر لم تكن أعمالاً فدائية ضد جيش (فرنسى) محتل. فرنسا رأت الجزائر (على عكس رؤيتها للمغرب وتونس) على أنها جزء من فرنسا، وقد كانت هناك أسباب اخترعتها نخبة مفكرة فرنسية وراء هذا التصور، ثم دخلت تلك الأسباب فى الوجدان الفرنسى. بالإضافة إلى ذلك، فإن نوع الوجود الفرنسى فى الجزائر كان مختلفاً عن أى وجود أوروبى آخر فى كل المنطقة العربية. من ناحية الحجم، كان كبيراً، خاصة بوجود آلاف المزارعين والمستوطنين، ومنهم من بقى لأجيال متعاقبة. من ناحية النوع، كان الوجود مميزاً، بعدد من أهم قادة الجيش وبعدد من المثقفين الفرنسيين الذين بدأوا حياتهم فى الجزائر وبقوا على اتصال وثيق بالمجتمع الفرنسى فيها.

لذلك فإن تحرير الجزائر احتوى على عمل سياسى داخل البلد وخارجه، بما فيه فى فرنسا.. مثلاً احتوى على عمل ثقافى، قام على تأكيد الهوية العربية وتثبيت اللغة العربية فى المجتمع.. وعلى وصل الأرض الجزائرية (وهى شاسعة) بغربها وشرقها، وليس فقط بالساحل الشمالى للبحر الأبيض المتوسط.

تلك الأبعاد المختلفة أعطت التحرير المعنى الحقيقى لكلمة معركة: فكرة الصراع بأوجه وعلى نطاقات مختلفة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الصراع من أجل تحرير الجزائر قابله صراع من أجل البقاء. ليس فقط لأن المصالح الاقتصادية هناك كانت مهولة ومتجذرة، لكن أيضًا (وأهم) لأن الوجود الفرنسى فى الجزائر كان داخلاً فى رؤية قطاعات واسعة من الفرنسيين لبلدهم. لذلك مع استمرار معركة التحرير وبيان الإصرار الجزائرى على المضى فيها رغم فداحة التكاليف (وأهمها فى الروح والدم)، تحولت المعركة إلى صراع حول رؤى مختلفة لعلاقة فرنسا بالعالم. وبحكم أهمية فرنسا وقتها لأوروبا بشكل عام، أصبحت معركة الجزائر جرحاً مفتوحاً فى الوجدان الأوروبى.

هنا تكمن أهمية وقوف المشروع الناصرى بجانب حركة التحرير الجزائرية، والمساعدة فى إعلاء صوتها وإيصاله إلى كل أرجاء العالم العربى، وتأكيد أن ذلك الصراع الدائر فى جزء قد يبدو قصيّاً من العالم العربى، له أهمية كبرى على مستقبل ذلك العالم.

كما أن وقوف المشروع الناصرى بجانب الجزائر وسع من تفسيره لمعنى التحرر (والذى كما حاولت أن أوضح فى حلقة سابقة من هذه السلسلة، تطور ليصبح فى قلب ذلك المشروع). فى هذا التفسير الأوسع أصبحت فكرة التحرر أكبر من مصر وتداخلت مع طموحات شعوب عربية مختلفة للخروج من السيطرة الغربية – وفى أحيان وصلت لتوثر فى رؤية الوجدان الأوروبى لنفسه.

هناك رأى يرى فى ذلك تحجيماً للطموحات المصرية الخالصة، بمعنى ان المصالح المصرية لم تستدع عداءات مع دول غربية مؤثرة، بل كانت حتى وقت قريب من ذلك الزمان شديدة القرب من مجموعات مختلفة فى المجتمع المصرى.. وذلك رأى قابل للأخذ والرد، ولكنه فى كل الأحوال محدود فى أفقه.. بمعنى أنه متضارب مع كل المشروعات المصرية التى أرادت أدواراً لمصر فى محيطها، سواء مشروعات توسع الأيوبيين والمماليك أو مشروع محمد على وابنه إبراهيم أو مشروع جمال عبد الناصر.. مرة أخرى، هناك أخذ ورد مع ذلك الرأى الناظر إلى مقدرات مصر على انها بالضرورة (وبفعل الجغرافيا) محددة فى أرضها، والذى يرى أيضاً أن قدرات مصر أقل من طموحاتها فى الخروج خارج حدودها.. لكن فى كل الأحوال ذلك الرأى لم يكن فى أجواء نهايات الخمسينات وبدايات الستينيات.

وعلى عكس ما كان فكر وأداء المشروع الناصرى فى ملف الوحدة مع سوريا ضعيفاً الى درجة الاستغراب، كان الفكر والأداء معقولا جداً فى ملف الجزائر. سواء من ناحية المساعدة المباشرة فى المعركة دون تحمل أعباء كبرى، أو المساعدة فى صياغة الرسائل الإعلامية والوصول إلى مجموعات واسعة فى العالم العربى، لكن دون الوصول مع فرنسا (ووراءها أوروبا) إلى درجة العداء المباشر.

ولعل جزءاً من الذكاء المعقول فى العمل فى ذلك الملف كان عدم تصور أن الجزائر (بوزنها الجغرافى والبشرى وبحجم تجربتها المهولة فى التعامل مع فرنسا على مدى ما يقرب من قرن ونصف القرن) يمكن أن تدخل فى مدار مصر. لذلك فإن المشروع الناصرى، رغم من ما قدمه فى معركة الجزائر، لم يضع طلبات مباشرة، لا على قيادة المعركة، ولا بعد ذلك على الجزائر المستقلة. وكان فى ذلك بُعد نظر، كان يمكن أن يؤدى إلى تقارب سياسى وشعبى كبير.. إلا أن الطرق تباعدت بعد ذلك بفعل سقوط المشروع الناصرى واختلافات الرؤى، وبفعل قوى رأت أن التقارب المصرى-الجزائرى يُشكل محوراً عربياً قادراً على إحداث تأثيرات فى ملفات مختلفة.

مقارنة فكر وأداء المشروع الناصرى فى ملفى سوريا والجزائر دال على مجال فشل ذريع وعلى مجال نجاح معقول، كما أن الملفين واصلان بنا إلى نقطة أبعد، وهى تعامل المشروع الناصرى مع القوى الفعالة وقتها فى العالم العربى، وأهمها المملكة العربية السعودية (وهذا حديث الحلقة المقبلة).

* كاتب مصرى مقيم فى لندن