الزمن الأميركى.. و«الاستبدال» الغامض
لم تشهد الولايات المتحدة الأميركية منذ نشأتها قبل نحو ثلاثة قرون، اختلافاً فى الرؤى والأهداف.. سواء فى تباين أوضاعها الداخلية أو بالنسبة لسياستها الخارجية، ذلك فيما بين الحزبين الديمقراطى والجمهورى.. وبين «الانعزاليين» و«العالميين»، على النحو المشهود فى السنوات الأخيرة، ما قد أصبح معه الأمر مثاراً لشبهة تهديد القوة الأعظم فى العالم.. فى الانحسار عن مركز الصدارة فى النظام الدولى، المتربعة على قمته بلا منازع منذ الحرب العالمية الثانية إلى اليوم، إذ يزمع نظامها السياسى «التغيير» عما سادت عليه فى تاريخها من حيث اتباعها سياسة خارجية ذات وجهة واحدة، وإن نشأت حولها فلسفات متعارضة، وتطبيقات متباينة من إجراءات مراوغة ومتناقضة ومتضاربة بين الفئات الموزاييكية التى يتألف منها الشعب الأميركى- لا يزال- إلا أن وجهتها ظلت مع ذلك ذات نمط خاص تميز به مركزها الفريد فى منتصف الكرة الغربى، لا ينازع سيطرتها عليه أى منازع، سواء من دول أميركا اللاتينية على البحر الكاريبى أو نظيراتها عبر المحيط الأطلنطى، إلا حين قفز الاتحاد السوفيتى (السابق) مطلع ستينيات القرن الماضى إلى «الكاريبي» بدءًا من كوبا التى دانت ثورتها آنئذ بالماركسية (أزمة خليج الخنازير مع الولايات المتحدة)، وليس آخراً من روسيا و(الصين) إلى فنزويلا- راهناً- لتأييد نظامها فى مواجهة الاضطرابات الجارية، ذلك فيما لم تخل أوروبا من متغيرات طرأت على علاقتها مع أميركا رغم ارتباط تاريخهما عبر القارتين.. حيث عملت واشنطن دائماً لتفادى سيطرة أى قوة- عداها- على أوروبا، إلا أن إعلان الأخيرة الوحدة السياسية بين دولها مطلع التسعينيات.. كان إيذاناً ببداية استقلال القرار الأوروبى عن الولايات المتحدة، باستثناء اتفاق السياستين الأميركية والبريطانية، منذ أيام «هنرى الثامن» إلى اليوم، ذلك فيما حذت الولايات المتحدة فى آسيا نفس الهدف- كأوروبا- فى حفظ توازن القوى فيها، بحيث تبعد عن القارة الأميركية أى أخطار محتملة تهددها من جانب القارتين الأوروبية والآسيوية، وسواء كان الخطر من ألمانيا أو اليابان فى الحرب العالمية الثانية، إلا أن بروز روسيا لتهديد التوازن الأميركى فى أوروبا، والمهدد أيضًا من جانب الصين فى آسيا، ما يدعو واشنطن لاعتماد استراتيجيتها الدفاعية الجديدة نهاية 2010 فى منطقة آسيا- المحيط الهادى، لمواجهة الصين فى داخل محيطها الحيوى، ذلك من قبل أن تباشر الحرب التجارية مع الصين- لا تزال- فيما تفرض العقوبات الاقتصادية على روسيا، وتعدل من لوائح الرسوم الجمركية مع أوروبا بهدف خلخلة تماسك الوحدة الاقتصادية الأوروبية (بريكست البريطانى مثالاً)، ما يعنى فى إجماله تمسك الولايات المتحدة بأحاديتها القطبية على النظام الدولى، ولو ذهبت أقاليم العالم- عدا شمال أميركا- إلى حيث ألقت، حيث إن الصراع الدولى من وجهة نظر بعض قيادات المجتمع الأميركى حالياً، قومى عرقى أكثر من غيره من التصنيفات الأخرى غير «الواسب» (الأنجلوسكسون) الذين يرون فى الأغيار، تهديداً مطلقاً بنفس القدر عن المسلمين، سواء من أصحاب الأصول الأفريقية، أو المسلمين الآسيويين أو أولئك الوافدين إليهم من العالم العربى والشرق الأوسط، لايستثنى منهم حتى المهاجرون إليها من كاثوليك أميركا الجنوبية، بالمولد والنشأة.
خلاصة القول، إن المواجهات العسكرية والاقتصادية التى تجرى بالتوازى على قدم وساق فى مختلف أقاليم العالم من أجل إعادة ترتيب تنقلات القوى الكبرى فى العالم، باتت لها أولوية متقدمة بالنسبة للولايات المتحدة.. تتزامن مع تعرض الحضارة الأميركية (والغربية) والرجل الأبيض لحصار أقوام أجناس غيرهم جلبتها موجات الهجرة الجماعية فى العقدين الأخيرين من الزمن الأميركى- المتجه نحو الاستبدال الغامض