تعمير شمال سيناء ووسطها «ضرورة» إستراتيجية

تعمير شمال سيناء ووسطها «ضرورة» إستراتيجية
شريف عطية

شريف عطية

7:22 ص, الخميس, 12 مايو 22

شبه جزيرة سيناء، أحد أهم الحصون الطبيعية الأربعة لتحقيق الأمن القومى المصرى عبر العصور، لمحاذاته حدودها الشرقية.. التى يتسلل من ممراتها الغزاة، كما تنطلق منها الفتوحات لتأمين محيطها الحيوى المنظور، إلى أن دهمتها فى العصر الحديث – الصهيونية – أعلى صور الاستعمار «الاستيطانى»، إذ سعت لاحتلالها ثلاث مرات خلال عقدين من الزمان، 48 – 56 – 1967، قبل تجريدها «الإرهاب» كوسيلة لإخضاعها مع مطلع القرن الحالى، بالتوازى مع انسحاب إسرائيل كإجراء أحادى من قطاع غزة، طالما فشلت المعارك التصادمية فى ضمها، وحين تهيأ للجيش المصرى بعد سنوات من التصدى للإرهاب، دون أن يفقد شرف احترافيته العسكرية، استتباب الأمن فى شمال ووسط سيناء، إذ بالتنظيمات الإرهابية، ومَن فى معيتهم من قوى إقليمية ودولية، تعكس حالة الفشل التى مُنيت بها فى السنوات الأخيرة.. لكى تتحول بعملياتها الأمنية إلى استهداف وعرقلة عملية التنمية لتعمير سيناء عن طريق منع المياه عنها.. حيث توازى الهجوم المسلح على محطة رفع غرب سيناء مع معركة تعمير سيناء عبر محور التنمية شرق قناة السويس، لولا بسالة القوة الصغيرة المنوط بها الدفاع عن المحطة وحراستها، الأمر الذى استأثر بمعظم اهتمام المصانعات الإعلامية دون الالتفات بعمق لما تعنيه هذه العملية النوعية، وعن مدى اتصالها بخلايا نائمة مخفية محليا، وعبر الحدود، وبتوجيهات أجنبية، تستهدف إبقاء صحراء سيناء قاحلة إلى أن يتم استكمال مخططات الهيمنة عليها لحساب الإمبريالية، مائيا وحدوديا، ما يمثل جرس إنذار لعدم جدوى دعوات التصالح والمهادنة مع قوى غير صديقة داخل الإقليم ومن خارجه، إذ إن إمساك العصا من منتصفها فيما المعركة مع الخصوم التاريخيين لا تزال قائمة، إنما هو بمثابة ضرب من الخفة السياسية حتى ولو كانت المعركة معهم ليست بالضرورة عسكرية أمنية بقدر ما هى مواجهة إستراتيجية للحيلولة دون تخريب المقدرات المصرية، بما فى ذلك على سبيل المثال، تهديد المجرى البحرى الملاحى لقناة السويس الذى يجرى التخطيط منذ زمن لشق بدائل له، ناهيك عما تتعرض له مصر فى الآونة الأخيرة سواء من (تهكير) مؤسسات إعلامية، إلى بث أنباء مدسوسة عن وفاة الرئيس المصرى، أو عن محاولة تفجير محطة مياه بحر البقر؛ إحدى كبرى المحطات المائية فى العالم، أو عن إحباط عملية ضخمة لتهريب السلاح إلى داخل الوادى عبر الصحراء الغربية التى تمثل ثانى حصون مصر الطبيعية الأربعة، بجانب سيناء ووادي حلفا وسواحل شرق البحر المتوسط، كمنافذ تمثل ممرات للتحالف علنا مع أعداء البلاد.. وضد المشروعات التنموية التي تفيد الشعب المصري.

فى هذا السياق، لم يكن الهجوم المسلح الأخير غرب سيناء، حادثًا إرهابيا عابرًا ضد موقع عسكرى كما يحدث منذ أكثر من عقدين، بقدر العمل ضد المشروع الضخم لاستصلاح 400 ألف فدان فى سيناء، تتصل بجغرافية المكان وتاريخه، وبسوسيولوجية المجتمع السيناوي حتى لا ينعزل عن الدولة المصرية، وكجزء من سياق أكبر للأمن السياسى والعسكرى لمجمل المنطقة، يؤثر ويتأثر بتطورات نظام عالمى مضطرب.. لا يكترث كثيرًا بالتحديات والأزمات المحلية بقدر مقارباته المرتبكة لوجهات نظر متباينة بشأن الملفات الدولية، ولقد كان من اللافت فى هذا السياق التحذير الذى صدّرته فى 2 مايو الحالى السفارة الأميركية بالقاهرة إلى رعاياها.. عن وقوع أعمال إرهابية قبل ساعات من الحادث الغادر شرق قناة السويس فى 7 مايو، وليتزامن التحذير الدبلوماسى الأميركى مع الحادث الإرهابى مع استقبال مصر فى 9 مايو قائد المنطقة المركزية الأميركية، بصحبة مستشاره السياسى، حيث تبادلت المحادثات الثنائية “سبل الدفع والارتقاء بالتعاون العسكري والأمني بين الدولتين”، خاصة على المحاور والاتجاهات الإستراتيجية.. لاجتثاث آفة الإرهاب من جذورها، ذلك فى الوقت الذى لا يزال موقف مصر من الأزمة الأوكرانية يتسم بالحياد بين واشنطن وموسكو، فيما حسمت إسرائيل موقفها فى ذلك بالانحياز إلى جانب الولايات المتحدة فى الحرب الدائرة فى أوكرانيا، كما فى سياق السياسة الأميركية من أزمات الشرق الأوسط، ما يدعو قادة الكرملين إلى اجترار سابق رؤيتهم لدور إسرائيل “قرة قوز” (أراجوز) لصالح الإمبريالية الغربية، إلا من اتجاه ميول أوروبية نحو الحياد بعيدًا عن السياسة الأميركية فى «إذلال» روسيا وفى السعى لتحقيق استقلال إستراتيجى لأوروبا، وتقوية دفاعاتها، ذلك رغم تباين مصالح دول أوروبية متعارضة.

خلاصة القول عما تتعرض له مصر من تهديدات عبر حصونها الطبيعية الأربعة، بغرض تطويعها سواء بعصا الإرهاب أو جزرة التنمية، الكل متكامل، إلا أن شبه جزيرة سيناء- محط أنظار الخصوم التاريخيين- تنال القسط الأوفر من مخططاتهم ولأسبابهم، الأمر الذى أدى لتقاعس قيادات مصرية سابقة نحو تعميرها بحيث يفوق الاستمرار فى غض عين العناية بمستقبلها.. المخاطر المرتقبة لعدم تعمير شمال سيناء ووسطها، كضرورة إستراتيجية.