تحديات التأسيس الثاني

أكثر من 55 راعيًا حتى الآن.. فى تصويت واضح بالثقة

تحديات التأسيس الثاني
حازم شريف

حازم شريف

1:16 م, الأحد, 18 مارس 18

■ أكثر من 55 راعيًا حتى الآن.. فى تصويت واضح بالثقة

كما جرت العادة، يتبارى المتنافسون فى اتجاه، وتشق المال لنفسها طريقًا آخر.

دائمًا ما كانت الحال هكذا.

كانت أول صحيفة يتم تأسيسها من خلال جولة ترويجية «Road Show» على عدد كبير من المؤسسات والمستثمرين الأفراد، بحدود قصوى لنسبة المساهمة والملكية، تضمن استقلالية الإدارة، وتجنِّب الجريدة «الوليد»، السيطرة على مقاديرها، وهو ما تم النجاح فيه، رغم قسوة الظروف.

لا تنسَ أننا نتحدث عن مطلع الألفية الثانية، أكثر عهود الاقتصاد المصرى كآبةً، منذ أوائل التسعينيات وحتى ما قبل ثورة يناير 2011، فى ظل حكومة الراحل الدكتور عاطف عبيد، حيث لا شىء يتحرك، سوى سعر صرف دولار فى السوق السوداء، فى مقابل جنيه لا يحتفظ بقيمته، إلا على شاشات تداوله بالبنوك، دون أن يقترب منه أحد.

أتجولُ مُتسلحًا بجهاز كمبيوتر شخصى محمول، اقترضته خصيصى لهذه المهمة من أحد الأصدقاء، كى يسهل مهمتى فى عرض دراسة الجدوى الخاصة بالمشروع، وأحرص على جمع أكبر قدر من المواعيد فى أقل حيز زمنى ممكن، كى يُتاح لصاحبى استعادة جهازه، لاستخدامه باقى الأسبوع، وهكذا تناوبنا، لمدة تربو على العامين، والوضع لا يتحسن إلا حثيثًا!

أتنقل من اجتماع إلى آخر، لأسمع نفس الشكاوى المرة، من تردى أحوال الاقتصاد والأعمال، والخسائر المتراكمة، والأموال التى تم تكديس أغلبها، بالعملة الأجنبية، تلافيًا للانتقاص منها، ولا يمكن إعادتها إلى حالتها الأصلية بالجنيه.. ناهيك أن يتم هذا الانتهاك الصارخ لقيمتها، من أجل ارتكاب جريمة استثمارية، تتجسد فى الدفع بها إلى المجهول.. جريدة اقتصادية أسبوعية، تقول شرائح «الباور بوينت» المتتالية على شاشة العرض البائسة الصغيرة، إنها تخطط للتحول للصدور اليومى خلال 3 إلى 4 أعوام.

ما هذا العبث؟!

وسارت الأمور على وتيرة واحدة.

كلما نجحت فى الحصول على موافقات مبدئية من عدد صغير من المستثمرين، يدنو بى بالكاد، من الحد الأدنى المطلوب.. أتلقى اتصالًا من أحد الموافقين، يستفسر فيه عن أسباب تأخرى فى التأسيس، ومصير شيك مساهمته القابع فى محفظة محامى الشركة، منتظرًا للفرج.. ينتهى غالبًا باعتذار رقيق عن الاستمرار.

ومع ذلك نجحنا أخيرًا فى إنشاء الشركة فى 18 أغسطس 2002، برأسمال متواضع.. (750 ألف جنيه)، تمثل بالضبط، نصف الحد الأدنى المطلوب، وفقًا لدراسة الجدوى.

وعلى دربنا سار آخرون لتأسيس صحفهم فيما بعد.

● ● ●

أخيرًا صدر العدد الأول فى 16 مارس 2003، خلال الأسابيع التالية، نشبت حرب الخليج الثانية، وكأن أداء حكومة عبيد لا يكفى، ليتحالف معه رعونة وشراهة جورج بوش الابن.

العالم بأسره يتآمر علينا.. هكذا خُيّل لنا، ومع ذلك لم يكن لدينا بديلٌ عن المكابرة والاستمرار.

ولتحمّل عواقب ما يدور حولنا، تعيّن علينا بذل كثيرٍ من الجهد ومحاولة الابتكار.

هدانا تفكيرُنا إلى أن نصبح الصحيفة الأولى التى تقوم ببيع محتوى باللغتين العربية والإنجليزية للغير، تم ذلك فى 2004، لموقع إنجليزى متخصص فى أسواق المال الناشئة، يحمل اسم «nooze.com»، مقابل مبلغ يُسدد بالدولار، كان حاسمًا رغم ضآلته، فى إنعاش قدرتنا على دفع ما علينا من التزامات.

ثم جاءت فكرة أخرى قررنا اختبارها، إصدار ملحق خاص باللغة الإنجليزية، يُوزَّع على هامش الدائرة المستديرة لمؤسسة الإيكونوميست، والتى كانت قد اعتادت، أن تنظمها سنويًّا فى مصر قبل أن تتوقف عن ذلك.

كان إصدار الملحق مغامرة محفوفة بالمخاطر، سواء فى تحريره، أو تسويقه، وقد نجح العدد الأول، فشجعنا على أن نعاود التجربة فى الأعوام التالية، فى المناسبة نفسها، وفى غيرها من الفعاليات، كالمؤتمر السنوى لمؤسسة «يورومنى»، الذى يُنظم سنويًا بالقاهرة، منذ منتصف التسعينيات وحتى الآن، ومؤتمرات منتدى الاقتصاد العالمى، وبعض مؤتمرات الترويج للاستثمار، واجتماعات دول منطقة الكوميسا فى شرم الشيخ.

وكالعادة بدأت الصحف الأخرى تدريجيًّا فى محاكاتنا، حتى وصل الأمر إلى قيام قطاعات واسعة من الشركات والبنوك، بتخصيص ميزانية إعلانية سنوية للإعلان فى الملاحق التى تصدرها الصحف والمجلات، على هامش مؤتمرات يورومنى.

وأزعم أنه لولا هذا المدد، لكانت معاناة العديد من المطبوعات قد زادت، بما قد يهدد قدرتها على الاستمرار، فى ظل ما توالى عليها من نكبات خلال العقدين الماضيين، بداية من سنوات حكومة عبيد وتحرير سعر الصرف الأول، ثم حرب الخليج الثانية، والأزمة المالية العالمية فى عامى 2007 و2008، وأخيرًا فترة السنوات العجاف التى تلت ثورة 25 يناير.

● ● ●

فى أوائل عام 2006 أضاف المشروع بُعدًا جديدًا لم تشهده من قبل الساحة المصرية، حين قرر مقارعة المؤسسات الأجنبية، بإدخال نشاط تنظيم المؤتمرات الاقتصادية، فتأسست شركة المال للمؤتمرات، التى نظمت عدة فعاليات ناجحة، كانت أولاها عن التصنيف الائتمانى «الكريديت بيرو» تحت رعاية محافظ البنك المركزى وقتها الدكتور فاروق العقدة، وبالمشاركة مع مؤسسة التمويل الدولية وشركة آى سكور الوليد، والتى كانت قد تم تأسيسها حديثًا لتولي الإمساك بمقاليد الأمور فى هذا النشاط، وهى ما زالت الوحيدة به حتى الآن.

ولسوء الحظ اضطرت «المال» لإيقاف نشاط الشركة لعدة سنوات لظروف تخص إداراتها التنفيذية، ولكنها عادت لتستأنف نشاطها مرة أخرى فى هذا المضمار عام 2012، من خلال اندماجها مع العلامة التجارية «جى تى إم تحت مظلة كيان واحد يحمل اسم «المال- جى تى إم»، الذى نظّم ما يربو من 20 مؤتمرًا، غطّت القطاعات الاقتصادية المختلفة، منذ تأسيسها.

وطبعًا تتوقعون الآن ما حدث.. دخلت بالطبع العديد من المطبوعات والصحف إلى هذا المجال بعد أن استهلته «المال» بسنوات كالمعتاد.

● ● ●

فى عام 2006 كذلك، بات جليًّا، أن جريدة المال كمشروع، قد بدأ فى الاستقرار، بل حقق خلال هذا العام، عائدًا لا بأس به من الأرباح لأول مرة، شجَّعَنا ذلك على التفكير فى المضى قدمًا للخطوة الثانية، الإصدار اليومى.

ومرة أخرى، لجأت «المال»، لطريقة غير مسبوقة فى عالم الصحافة، عندما أجريت لأول مرة زيادة رأسمال لمطبوعة، من خلال إجراء عملية «Leveraged By out»، وتعنى قيام الإدارة التنفيذية للشركة بالاقتراض لتمويل شراء حصة أغلبية بها، وهذا ما تم بالفعل من خلال المشاركة مع صندوق تنوير المتخصص فى الاستثمار فى مجال الميديا.

وقد شهدت هذه العملية، التى نشرت خبرًا عنها كل من وكالتى رويترز وبلومبرج العالميتين، تخارج بعض قدامى المساهمين، بعدما حققوا عائدًا على استثماراتهم، بلغ %100 فى 4 سنوات.

وحتى الآن وعلى حد علمى كانت هذه السابقة الأولى والأخيرة فى منطقتنا العربية، سواء فيما يتعلق بأسلوب زيادة رأس المال، أو نسبة العائد.

● ● ●

من دون مبالغة تستحق الفترة من 2011 وحتى 2017، أن تحمل بالنسبة لـ»المال» ولغيرها من المطبوعات عنوان «مرحلة الصمود والتصدي»، ومن ثم لا يمكن أن نتحدث فيها عن الكثير من الخطط أو الاقتراحات بشأن للنمو.. البقاء على قيد الحياة على مدار هذه السنوات الصعبة على المستويات كافة، يُعد فى حد ذاته إنجازًا لنا ولغيرنا من المطبوعات التى لا تعتمد فى تمويلها سوى على ما تولده من إيرادات، لسداد التزامات، قفزت جميع بنودها، بنسب تجاوزت أحيانًا آكثر من %100 كالطباعة.

لا يعلم كثيرون أنه لا يمكن لصحيفة اقتصادية يومية فى مصر أن تحيا، فى ظل اقتصاد ينمو بمعدل أقل من %4، وقد كانت هذه الحال، منذ 2011 والسنوات التالية لها، ومع ذلك صمدت «المال»، ومعها عدد محدود جدًا من المطبوعات التى تشاركها، فى عدم تلقيها الدعم لدفع مصروفاتها من خزانة الحكومة.

● ● ●

الآن نحن فى أوائل عام 2018، وتبدو الأمور على مستوى الاقتصاد الكلى اْفضل كثيرًا من الأعوام السابقة، معدل النمو من المرجح أن يبدأ فى ملامسة نسبة %5، والعديد من الشركات فى قطاع التشييد والبناء منهمك فى تنفيذ حجم كبير من الأعمال أتاحته له المشروعات القومية، فى حين منحت طروحات الأراضى الجديدة وتنوع أساليب طرحها، المطورين العقاريين الرغبة فى العمل والتوسع، والتوجه إلى أسواق جديدة من خلال تصدير العقار. سوق المال هى الأخرى على وشك افتتاح موسم لم تشهده منذ عدة سنوات، تستقبل فيه العديد من الاكتتابات الخاصة والعامة، كما أن شهية المؤسسات المالية وبنوك الاستثمار، فى أوجها، فيما يتعلق بالتوسع فى الأنشطة المالية غير المصرفية، وتنفيذ موجة واسعة من الاستحواذات، وبالذات فى مجال الرعاية الصحية والقطاع الاستهلاكى والتعليم وغيرها.

البنوك التجارية كذلك تجاوزت أزمة ما قبل تحرير سعر الصرف، وبدأت تستفيد من توقف ماراثون ارتفاع سعر الفائدة، وتوقع الحفاظ على منحنى هبوطى لها خلال المرحلة المقبلة، إلى درجة تسمح لها مع مبادرات البنك المركزى المتعددة وإستراتيجيته بتحقيق معدلات طموحة من الشمول المالى، بالتوسع على مستويى تمويل الشركات والأفراد.

حسنًا لقد شاهدت هذا من قبل.. إنه وقت الانتعاش.. صحيح إنه مُحاط بالعديد من المخاطر لا تسمح المساحة ولا الوقت ولا الظروف ولا طبيعة البيئة السياسية المحيطة باستعراضها والخوض فى تفاصيلها.. إلا أنه يظل – بشرط استمراره – بمثابة فرصة مواتية للتخطيط للنمو بالأعمال.

● ● ●

منذ خروج العدد الأول من جريدة المال، ويلح علينا سؤالٌ من وقت لآخر، حول مدى علاقة صناعة المحتوى بالتكنولوجيا.

هل نحن شركة لصناعة المحتوى، تحتاج لدعم خارجى فى مجال تكنولوجيا المعلومات، أم أن الأمور قد تطورت، لدرجة أصبح من المحتم فيها، أن تكون تكنولوجيا المعلومات جزءًا أساسيا من بنية المؤسسة الأساسية؟

بعد 15 عامًا من صدور العدد الأول من جريدة المال، ما زال السؤال مطروحًا، ولكننى أجزم بأن إجابته قد حُسمت، فى اتجاه المسار الثانى، لا مستقبل لصناعة محتوى غير معجونة بالتكنولوجيا، ليس فقط على محور منتجات وتطبيقات الديجيتال المختلفة، الموجهة للفضاء الإلكترونى، ولكن أيضًا على مستوى ربط المحتوى بشتى أشكاله المطبوعة والمسموعة والمرئية، وكذلك فيما يتعلق بما يمكن أن تضيفه هذه التكنولوجيا للمحتوى المطبوع.

ليس فقط هذا الدمج المحمود بين المحتوى والتكنولوجيا، هو التحدى الوحيد، وإنما يلازمه تحدٍ ثانٍ مكمل، ولا يقل عنه أهمية، وهو كيف لا تؤثر السرعة المطلوبة للأخبار اللحظية، على الجودة والدقة اللتين اعتادهما القارئ، على مستويى المعلومات واللغة؟

هل نحن بحاجة إلى تعديل اللغة؟ هل نحن بحاجة إلى الدخول إلى عوالم أكثر بساطة ورحابة فيها، قد تغضب متخصصيها، ولكنها تساعدنا بلا آدنى شك على الوصول لشرائح أوسع من القراء؟!

أسئلة عديدة، تحتاج إلى الاجتهاد فى الإجابة، بجانب تحديات أخرى، تتمثل على سبيل المثال، فى تغير التشريعات والقوانين ومحددات البيئة السياسية، وارتفاع التكلفة بشتى عناصرها، وكيفية وضع نظم للعمل، تتيح الحفاظ على المؤسسة، وتضمن فاعليتها وكفاءتها.

نحن بحق بصدد طور جديد لـ«المال»، يحمل معه أحلامًا بمستقبل أفضل، نعلم أننا بحاجة إليه على مستوى التطور والاستدامة، وكنا بحاجة إلى فكرة جديدة، تتيح الحصول على الضوء الأخضر من قراء الجريدة ومتابعيها على مستوى مجتمع الأعمال، وزملائنا من الكتّاب والشخصيات العامة والصحفيين والإعلاميين.. ومن هنا تولدت فكرة الاحتفالية الخاصة بالتأسيس الثانى.

وكم أسعدتنا ردود الفعل الشفهية، بل العملية من خلال المشاركة، 13 عمودًا ومقالة تجمع كُتّابًا وإعلاميين وشخصيات عامة تمت دعوتهم فى فترة وجيزة، عاصروا تجربة «المال»، واستقطعوا من وقتهم، رغم مسئولياتهم الجسيمة، ليشاركونا الأمل فى مستقبل أفضل.

وأكثر من 55 راعيًا لاحتفالية «المال» حتى الآن، أثلجت صدورنا ردود فعلهم الشفهية أكثر من المادية: «إحنا معاكم وفى ضهركم».

وبصراحة نحن لسنا فى حاجة للرعاية من أجل تمويل فعاليات الاحتفالية فقط، ولكن أيضًا – وهذا هو الأهم والجديد فى آن واحد – لمواجهة أعباء خطة التأسيس الثانى لمستقبل جريدة نأمل أن تلحق صفة الواعدة باسمها دائمًا.

وأظنكم تعلمون الآن وما سوف يحدث.. ربما سنجد صُحفًا ومطبوعات.. تحذو حذونا فى الفترة المقبلة.

حازم شريف

حازم شريف

1:16 م, الأحد, 18 مارس 18