بأى حال تأتى الجمهورية الجديدة؟

بأى حال تأتى الجمهورية الجديدة؟
شريف عطية

شريف عطية

7:46 ص, الخميس, 26 مايو 22

يطول الحديث فى الآونة الأخيرة عن بناء «جمهورية جديدة» يتطلع إليها المصريون بالأمل لأن تكون أفضل من سابقاتها التى استنفدت أهدافها لسبعة عقود خلت ما بين التجربة والخطأ، سلبًا وإيجابًا، وإلى انتصارات وعثرات، مما يدعو قبل طيّ صفحتها ولاستشراف صفحة جديدة.. إلى مراجعة أهم المراحل التى مرت بالبلاد خلال السبعين عامًا المنصرمة، ما بين حريق العاصمة 1952، كإعلان عن إفلاس «الأوليجاركية» الحاكمة، إلى تصدر الطليعة العسكرية المشهد السياسى لمنع التنظيمات السرية (..) من شغل الفراغ الأمنى والسياسى للبلاد، وحيث تهيَّأ للحكام الجدد أن إقامة البناء البديل رهن بهدم ما سبقه، بما له أو عليه، إلى أن وقعت الهزيمة العسكرية والسياسية 1967.. بمثابة إعلان عن إفلاس «التنظيم السياسى الواحد»، فإذ بالمصريين عاجزون عن استكمال البناء الجديد بكل طموحاته النهضوية.. فيما شاعت الحسرة على ما تهدَّم من سابق، ورغم الأمل فى الصحوة مجددًا فى أكتوبر 1973، إلا أن الأوتوقراطية الحاكمة عادت من جديد عن «جماعية القيادة»، ولنحو نصف قرن تال ارتهنت خلاله البلاد بمعاهدات خارجية تعاقدية، لا تملك جسارة الارتداد عن مخاطرها، ولتمضى الجمهورية (الأولى) إلى مصيرها، سواء من تحييد قدراتها العسكرية (فض الاشتباك سبتمبر 1975)، ومن بعد إلى محاولات تفريغ قوتها الناعمة «الإعلامية والثقافية» (لاحظ الوزراء المتعاقبين عليهما منذ الثمانينيات)، ناهيك عن اطراد صراع طبقى كامن ومتراكم لم يصل بعد إلى نقطة الانفجار (أحداث ثورة يناير 2011)، لربما عودًا على بدء إلى انفجارات حريق القاهرة 1952، فيما الدولة غير منتبهة لذلك تمامًا، إلا مؤخرًا من خلال الدعوة الرئاسية نحو «جمهورية جديدة»، كضرورة وطنية ولكن كيف؟ ذلك منذ أن استنّ النظام الجمهورى مطلع الخمسينيات أهم مبادئه.. لبناء جيش قوي، ولتطبيق العدالة الاجتماعية، وفى عدم سيطرة رأس المال على الحكم، إلا من تعديل مساره منتصف السبعينيات وعلى النحو المعلوم منذئذ حتى العام 2013، ليستأنف من بعد دعم ما تآكل من القدرات العسكرية، وفى التوجه نحو كفالة «حياة كريمة» للشرائح الاجتماعية الأقل رعاية، بالتوازى مع إفساح المجال لرأس المال الخاص غير الأوليجاركي، إلى استزراع الأراضى وتعمير الصحارى وبناء المدن الجديدة وما إلى غير ذلك من مشاريع (نحو 1750 حتى 2020)، إلا أن المجال لا يزال قاصرًا عن ملء الفراغ الناشئ من إهمال مصر لقواها الناعمة، وفى عدم إثراء المشهد الثقافى كضرورة لبناء المواطن، ووضعيته الجديدة فى قلب ثورة وطنية ثقافية بمفهومها الشامل تمهد للإفلات بالوطن من حالة الاختناق القائمة مما ينعكس بالسلب على القطاع الاقتصادى الذى تمثل فيه الصناعة الثقافية وزنًا مهمًّا، ذلك على ذات الغرار الذى شهدته الولايات المتحدة- مثالًا- فى فترة الثلاثينيات بغية الخروج من «الكساد الكبير»، إذ تزامن برنامج «إغاثة الاقتصاد» مع برنامج «إغاثة الثقافة» الذى أسس لفترة الانتعاش الأميركى الكبير من خلال ما عُرف بـ«الصفقة الجديدة» للمجتمع العظيم، وإلى ما غير ذلك من تجارب تاريخية للخروج بالأمم من أزماتها، إذ يُنسب للجنرال «ديجول» مع مطلع بناء الجمهورية الخامسة الفرنسية 1958.. التمسك بجلوس وزير الثقافة «موروا» على يمينه، وليس رئيس الوزراء كما يقضى البروتوكول، وقد كان للصلة الوثيقة بين «عبد الناصر» والدكتور «عكاشة» منفعة كبيرة للصالح العام من حيث الإشعاع الفكرى للبلاد فى الستينيات، ناهيك عن الثورة الثقافية للصين «ماو» عشية السبعينيات رغم ما اعتراها وقتئذ من أخطاء، وليس آخرًا ما كان بالنسبة لتقارب الرؤية الثقافية بين الرئيس «ميتران» ووزير الثقافة «لانج» من تأثير لتأمين مشهد ثقافى حيوى فى فرنسا خلال الثمانينيات، ذلك دون استثناء- على سبيل المثال لا الحصر- التحدى الثقافى الذى قررت دول الخليج والسعودية- مواجهته أخيرًا لتحقيق ثورة ثقافية فكرية اجتماعية لا سبق لها، ولتأمين تقدمها الاقتصادى، وكما يحدث حاليًّا من تسليم الثقافة والتعليم فى كل من فرنسا وبريطانيا لشخصين من أصول عربية ضمن برنامج تضامنى للحكومة، وبحيث يمثل ما سبق من تجارب تاريخية غيضًا من فيض لدور القوى الناعمة فى إقالة الأمم من عثراتها، الأمر الذى ينبغى (على مثاله) أن يتصدر نهج الدعوة الرئاسية إلى الحوار الوطنى من أجل بناء الجمهورية الجديدة، وكإجراء ديمقراطى تأخر العمل به سبعة عقود إلا ما كان فى مجال الهواية بين التجربة والخطأ، ذلك دون الثقة المفترضة بين أطراف الحوار، أو فى تحديد الهدف منه، ولافتقاد نتائجه- إن حصل- لقوة التنفيذ.. على غرار ما جرى بالنسبة للمؤتمر الاقتصادى فبراير 1982، ناهيك عن أن أهمية إعادة الاعتبار للثقافة المؤسسية والمدنية شرط لإنجاح الحوار، ولصدق العزم نحو بناء جمهورية جديدة على أسس راسخة، تتلافى أخطاء ما سبق من نظم سوسيولوجية (ملكية أو جمهورية)، وبحيث لا تعدم البناء على إيجابياتها، إذ لا يزال المشوار طويلًا على الأجيال القادمة فى تحمل مشاق استئناف ما كافح من أجله الآباء بكثير من الألم.. وقليل من الأمل