تنتقل مصر بشكل مثير للانعتاق منذ مطلع خمسينيات القرن الماضى.. عن علاقاتها مع القوى الكبرى، من إلغاء حكومة الوفد معاهدة 1936مع بريطانيا، إلى الاستعانة 1952 بالولايات المتحدة لحين الاتفاق بشأن إجلاء الاحتلال 1954، ذلك قبل عام من الاتجاه ثالثًا نحو الاتحاد السوفيتى (السابق) لتنويع مصادر السلاح فى إطار معادلة ميزان القوى مع إسرائيل، المنحاز إليها البيان الثلاثى الغربى 1950، ما أدخل مصر فى خضم الحرب الباردة بين القوى العظمى، مرورًا بأربعة حروب.. من السويس 1956 – اليمن 1962 – سيناء 1967، إلى الحرب على ضفتى قناة السويس 1973، قبل أن تتحول بصداقتها مع المعسكر السوفيتى، جراء تعقيدات حالة الحرب والسلام، إلى التحالف مجددًا مع الغرب، فيما ولّت ظهرها للدوائر العربية والأفريقية وكتلة عدم الانحياز، وإلى قطع العلاقات مع موسكو 1980 حتى استئنافها عشية التسعينيات بالتزامن مع تفكك الاتحاد السوفيتى، ومن ثم لاستكمال تطويع مصر «العربية» تحت هيمنة الأحادية القطبية الأميركية، ومن فى معيتها، ذلك بالتوازى مع غزو الولايات المتحدة لكل من أفغانستان والعراق مطلع الألفية الميلادية الثالثة، وإلى تطبيق سياستها منذئذ عن «الفوضى الخلاقة»، التى أفضت إلى اندلاع ثورات «الربيع العربى» 2011، لولا أن أفلتت مصر من فوضاها المستحدثة عبر ثورة 2013، وعلى غير رغبة الولايات المتحدة التى اعتبرتها آنئذ مجرد «انقلاب عسكرى»، ولسنوات تالية، ما دفع القاهرة إلى تجديد علاقاتها مع موسكو فى إطار منظومة 2+2 بين وزيرى الخارجية والدفاع للبلدين، وإلى تعدد لقاءات القمة بينهما.. لأقرب ما تكون للعودة إلى العصر الذهبى من علاقتيهما التى دامت 19 عامًا من منتصف الخمسينيات إلى انفضاض معاهدة الصداقة والتعاون بينهما منتصف السبعينيات، لكن مع إبداء حرص مصر لعدم الانغماس مجددًا فى سياسة المحاور، حفاظًا على مصالحها، وعلى توازن شراكاتها الإستراتيجية مع مختلف دول العالم، بما يسمح لها بهامش من الحركة لمباشرة دور عربى وإقليمى ودولى فعال، خاصة مع ما يعترى النظام العالمى من حالة سيولة وارتباك تنعكس على مختلف أقاليم العالم على النحو المشهود حاليًّا، بما فى ذلك جهود مصر المحلية لتجاوز أزماتها الاقتصادية والأمنية، وما إليها على صعيد أولوياتها فى الدائرتين العربية والأفريقية، لئلا تنفرط عن محيطها الحيوى المنظور، من سوريا ولبنان شرق البحر المتوسط، إلى ليبيا غرب البحر، ومن السودان على امتداد الوادى الخصيب إلى اليمن والصومال أقصى جنوب البحر الأحمر، ناهيك عن دورها كقاطرة عربية لدول شرقى السويس، من التحالف الثلاثى للمشرق الجديد الذى يضمها مع العراق والأردن، ولما يسمى “الترويكا” الخليجية مع كل من السعودية ودولة الإمارات، ذلك دون استثناء أهمية الدائرة الأفريقية للسياسة الخارجية لمصر.. التى وُلدت أفريقية، وتظل كذلك للأبد، ما يدعوها إلى تفعيل لقاءات القمة الأفريقية.. فضلًا عن ترشيد حزمة من الآليات متعددة الأبعاد- لتعزيز وجودها فى عموم القارة الأفريقية التى تمثل امتدادًا رئيسيًّا لأمن مصر القومى، بالتوازى مع الحرص على الحضور فى القمم الأفريقية- الدولية.. مع دول أوروبية، وروسيا، والصين، واليابان.. مما تتقاطع مصالحهم مع الدفع لتنمية أفريقا، بحيث يجوز القول إن القارة السوداء، ومصر فى القلب منها، باتت أحد المحاور الأساسية للتنافس بين الدول الكبرى- فى صراعها نحو الهيمنة لتشكيل النظام الدولى المقبل الذى تحوطه متغيرات دولية غاية فى الصعوبة، سواء- على سبيل المثال لا الحصر- من الحرب الأوكرانية فى شبه جزيرة القرم، أو بالنسبة للتفاوضات الشائكة حول انعكاسات المشروع النووى الإيرانى على منطقة الشرق الأوسط، أو من التوترات العدائية فى مضيق “تيران” المائى جنوب بحر الصين، بين “صين واحدة” أم نحو استقلالها، أو بالنسبة لحرب العملات.. وحول دخول إمدادات الغاز والنفط، ما يضع مختلف القوى الكبرى فى خضم حالة من الصمت غير المعلوم ما سوف تسفر إليه، خاصة وأن الأبواب ما زالت موصدة تقريبًا فيما بينهم، الأمر الذى يجعل من مصر وسط هذه السياسات الدولية المتقاطعة أحرص ما تكون عند التعامل مع نقيق الضفادع الصادرة عما تسمى نمور «العالم الثالث» الساعية لتصنيع نفس المنتجات الرخيصة الآتية من الخارج.. كما عند التعامل مع لدغات العقارب للحكومات، الديمقراطية أو اللاليبرالية، التى لعبت لعقود من الزمان دور «شايلوك» المرابى فى رائعة «شكسبير»- «تاجر البندقية»، وكأن مِن قدر مصر أن تزاول الانعتاق بسياستها الخارجية منذ ما يزيد عن سبعة عقود.. وهى فوق سِلك مشدود بين نقيق الضفادع ولدغات العقارب.
شريف عطية
6:37 ص, الأحد, 19 يونيو 22
End of current post