لم تكن انتفاضة «أطفال الحجارة» ديسمبر 1987 ضد المحتل الإسرائيلي إلا امتدادًا للمقاومة الفلسطينية منذ ثلاثينيات القرن العشرين، لتتوالى بعدها لنحو قرن من الزمان إلا قليلًا، التصدي الفلسطيني للمشروع الصهيوني التوسعي الاستيطاني، ورغم التفاوت الضخم لموازين القوة بين جانب لديه أحدث ما أنتجته آلة الحرب الجهنمية، وبين طرف آخر لا يواجهه بغير صدورهم العارية، ربما لما فطمته عليه الأمهات الفلسطينيات من بأس وصبر وجَلَد على الاستشهاد- جيلًا بعد جيل- فى سبيل استرداد الحقوق المغتصبة، السن بالسن والدم بالدم، لم يكن آخِرها مَن سقطوا فى أغسطس 2022 من الضحايا الفلسطينيين خلال الهجوم الإسرائيلى، ولثلاثة أيام على قطاع غزة الذى أصبح يمثل بصموده منذ انسحاب إسرائيل مطلع القرن «الأحادى الجانب» من مستعمراتها فى داخله، أكبر من مجرد قطاع، وأقل من دولة إن جاز التعبير، وبحيث بات من الطبيعى ألا يمثل العدوان الإسرائيلى عليه إلا نجاحًا عسكريًّا مؤقتًا، مرة بعد أخرى، لكن دون أن ينعكس لتطبيق إنجاز سياسي، خاصة فى ضوء الأزمات السياسية والحكومية داخل إسرائيل فى السنوات الأربع الأخيرة وهي العاجزة عن استشراف أفق لتسويةٍ ما للصراع مع الفلسطينيين، سواء فى غزة أو الضفة الغربية المحتلة، إنما فقط فى تأجيل الحل السياسى إلى جولات قادمة، ناهيك عن عجز إسرائيل حتى على الاقتراب لمحاولات منعها، ذلك فى الوقت التى تتعرض البلدان الإسرائيلية فى الفضاء المحيط بالأرض المحتلة.. إلى المزيد من المخاطر، ولأمد غير منظور دون الوصول إلى تسوية سياسية.. خاصة مع الانقسام الجارى فى الجانب الفلسطينى أو الإسرائيلى سواء بسواء، ومن جمود الانتخابات فى القدس الشرقية، إلى المعركة الانتخابية المرتقبة فى إسرائيل التى قد تهيئ المناخ لعمليات انتقامية فى الضفة الغربية المحتلة، مستغلة انشغال العالم بالحرب الأوكرانية، وتوابعها، وبتصاعد الأزمة حول «تايوان»، الأمر المرجح أن توظفه إسرائيل لمزيد من اغتيال قيادات فلسطينية، وما إليها في التوجه إلى مواجهة شاملة مع الشعب الفلسطينى.. على أراضيه ومقدساته ومقدراته، سواء فى سياق التباري بين الأحزاب الإسرائيلية لأغراض انتخابية أو لإفشال المساعي الفلسطينية لنيل العضوية الكاملة فى الأمم المتحدة سبتمبر المقبل.
إلى ذلك، وفى سياق الصراع الفلسطيني- الإسرائيلى لنحو قرن من الزمان، تدور أفلاك دوامات الصراع بلا نهايات تلوح فى الأفق لكلا الجانبين، كما إزاء التحالفات السياسية الناشئة- مع أو ضد أرضه- فى المنطقة، وأيضًا بين القوى العالمية التى أنشأت إسرائيل، ولتبقى مآسى المواجهات الدامية بين آلة الحرب الإسرائيلية والفصائل الفلسطينية، ما يؤكد حقيقة عجز أجيال الساسة الإسرائيليين عن إعطاء فرصة حقيقية لتجريب حلول مرحلية جادة، ذلك فيما يحذر عدد غير قليل من القادة الإسرائيليين من الإغراق فى نشوة النصر السابقة لأوانها، إذ من دون تسوية- بحسبهم- مع الفلسطينيين تضع حدًّا للصراع معهم، لن تنعم إسرائيل بالهدوء والسلام الآمن، ما يدعو بالضرورة إلى حل جذرى للصراع، الأمر الذى يحول دونه من جانب آخر الانقسام الفلسطينى فى الصراع حول السلطة، كما فى التذاكى الإسرائيلى من جانب ثالث.. بأن حملها الكاذب يمكن أن يؤدى إلى الدولة الصهيونية الكبرى، إذ الويل لها عمن تنجبهم «الأم الفلسطينية»، ثأرًا وديموغرافيًّا وتعليمًا.
* عضو مكتب مستشار الرئيس للأمن القومى فى السبعينيات