لن أخوض فى تطورات الأزمة ولكننى سأحاول تقييم الوضع الحالي، مع الإقرار بأننى لست من خبراء الشأنين الإيرانى والأمريكى.
من الواضح أنه لا إيران ولا الولايات المتحدة تريدان حرباً، لأسباب سياسية وانتخابية واقتصادية واستراتيجية. الرئيس ترامب يعلم أن ناخبيه سئموا حروب الشرق الأوسط التى لم تحقق شيئاً يذكر، ويعلم تبعات إغلاق مضيق هرمز، ويريد أن يخصص الجزء الأكبر من مجهوده للشرق الأقصى، ويعلم أن الرد الإيرانى سيستهدف غالباً المملكة السعودية، الصعب تأمينها تأميناً كاملاً. وأظنه يعرف أن إدارته عرجاء – وظائف شاغرة وعدم وجود الحد الأدنى من التوافق بين أجنحتها.
ووضع إيران الاقتصادى حرج جداً، وتواجه كوارث بيئية وضرورات تحديث البنية التحتية، وتعلم جيداً أن الدول الأوروبية لا تستطيع إجبار شركاتها على تجاهل التهديدات والعقوبات الأمريكية.
لكن هناك مشكلة، لا يملك الطرفان ترف هزيمة دبلوماسية ولا يريدان مكافأة أساليب الخصم
من الناحية الاستراتيجية البحتة، تستطيع الولايات المتحدة الاستمرار فى هذا الوضع طويلاً، فالعقوبات سارية وخانقة لإيران، ولكن الرئيس ترامب يحتاج، لأسباب انتخابية، إلى نصر أو على الأقل إلى تقدم سريع.
إيران تواجه صعوبات جسيمة ولكنها تقول على الملأ إنها مرت بأزمات أسوأ وصمدت أمام العراق المدعوم دوليا لمدة سنوات وأنها لا تمانع فى اختبار قدرة الأمريكيين على الصبر والتحمل، ولا أحد يدرى إن كان هذا صحيحاً أم عنتريات، وطبعا لا تريد إيران مكافأة الضغط الأمريكى وأساليبها.
تعمل إيران حاليا على تصعيد محسوب لرفع التكلفة على الولايات المتحدة، وتراهن على خوف ترامب من حرب مفتوحة، أى أنها تتجه تدريجيا إلى وضع يمكن أن نسميه حافة الهوية لحث ترامب على تقديم تنازلات، ولكن هذا الخط يخاطر بحرب.
يرى بعض الخبراء أن هذا الوضع، المضاف إليه ارتفاع نسبة احتمالات ارتكاب أحد الطرفين لخطأ جسيم، سيؤدى حتماً إلى حرب، ويشكك الآخرون فى هذا. لا أستطيع الحسم بينهما ولكننى أعتقد أن إيران ستواصل التصعيد ما دامت محاصرة.
وسمعت كلاما متأثر بالمنطق التآمرى يرى أن المستهدف من الإجراءات الأمريكية هو الصين وليس إيران، بمنطق أن الصين تعتمد جزئيا على البترول الإيراني، وأرى أن هذا الكلام يجانبه الصواب، من ناحية الاعتماد الصينى على إيران ليس كبيراً، ومن ناحية أخرى أرى مع غيرى أن الصين أحد المستفيدين القلائل من تلك الأزمة التى ترهق الطرفين، لأنها قد تدفع إيران إلى الارتماء فى أحضانها ولأنها تغذى الاستياء الدولى من تقلبات ترامب.
ويبقى سؤال عن إمكانية وساطات لحل الأزمة، وعن توقيتها، ومن المعروف أن طهران لم تتعامل بإيجابية مع وساطات يابانية وألمانية وسويسرية وعراقية وعمانية ، وكان تعاملها مع رئيس الوزارة اليابانى فظا، لا سيما أنه يرتبط مع إيران بعلاقات قديمة تعود إلى مطلع الثمانينيات.
كنت فى باريس هذا الأسبوع ولمست تشاؤما أوروبيًا كبيرًا، أوروبا ترى نفسها عاجزة، والخصمان يشككان فيها. وترى فى الحديث المتزايد عن وساطة روسية دليلاً دامغاً على فشلها فى بناء قوة فاعلة. ناتجها الإجمالى يبلغ خمسة أضعاف الناتج الروسى ورغم ذلك فهى حاليا قزم سياسى ويتبادل الجميع الاتهامات حول المسئول عن هذا الوضع.
موضوعيا تمتلك روسيا الأدوات التى تسمح بوساطة ناجحة، نظامها يجيد توظيف الدبلوماسية والأساليب الخشنة، لكن الطرفين متخوفان من الثمن الذى سيطلبه الرئيس بوتين مقابل جهوده.
يرى خبير مصرى أحترم معرفته بالمنطقة أن الحل الممكن هو حل يحافظ على المبدأ الحاكم للاتفاق السابق – التنازل عن النووى مقابل الاعتراف الضمنى بدور إيراني- مع تمديد مدته. ويبقى السؤال : هل يطمع الطرفان فى المزيد؟
- أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية