القهر والكفر والرحيل

القهر والكفر والرحيل
طارق عثمان

طارق عثمان

6:30 ص, الأحد, 19 سبتمبر 21

الثبات فى الأرض ليس ثابتًا فى كل الأراضى.. تجارب الشعوب فيها ما يثبت البقاء فى مكان الولادة والطفولة، وفيها ما يدفع إلى الذهاب. لكن المر فى الرحيل هو ما تفرضه الأيام، وما تجعله أحيانًا خروجًا ما بعده عودة.

فى مصر الرحيل مفهوم كان قديمًا مرفوضًا وأصبح مع الزمن حزينًا ثم عاديًّا.. الرفض المصرى للرحيل جاء نتيجة الارتباط بالأرض، والأرض فى مصر هى الأم، البيت والملجأ والعاطية الواهبة.. ولذلك فتركها عقوق. لكن مع تراكم الأحزان على مرّ عقود كثيرة بدأ الولدان الخروج عن الطوع. وكانت النتيجة أنْ وهن الطوق الذى طالما ربط الفلاح بالطمى.

فى بلادٍ أخرى كان الرحيل أسهل؛ لأن للرحيل، منذ البداية، معانى أخرى فى ثقافات تلك الأراضى. فى الشام، خاصة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، الأرض منذ الأزل، وبحكم طبيعة الجغرافيا، نقطة انطلاق، هى مكان خروج وعودة. لكن أحيانًا كثيرة فرض التاريخ معانى أخرى ثبتت الخروج كضرورة وجعلت من العودة انتحارًا- أحيانًا مجازًا، وأخرى واقعًا.

تاريخ الشام فى السنوات العشر الأخيرة فيه من ذلك الفرض.. ولعل الفن أعمق ما عبّر عن القهر النابع من ذاك الفرض.. سواء فى مذكرات فتاة سورية فى أوائل العشرينات تكتب بعامية دمشقية من غرفة صغيرة فى ضواحى برلين، حيث كبرت فى العقد الماضى، أو فى فيلم تسجيلى لمخرجة لبنانية عاشت كل تجربة الحرب فى السبعينات والثمانينات، ثم عاشت السنوات الأخيرة هناك، فى بيروت، حيث سقطت السياسة فى وحل من الضياع والأوهام والأجرام، ثم شهدت انفجار مرفأ بيروت الذى دمر، فى لحظات، ثلث المدينة، خاصة جزءًا كان لعقود ملجأ للموهوبين، وحيث رقص الإبداع مع الجمال لسنوات وسنوات.

فى مذكرات الفتاة الناظرة إلى المستقبل، أو فى فيلم السيدة المحدقة فى الماضى، يفرض الواقع قهرًا على الروح.. والنتيجة فى الحالتين، عند الفتاة المنتظرة ما تحتمله السنون المقبلة من نجاح، وعند السيدة المنتظرة وعد السنين الفائتة من راحة، تبتعد الروح عن المكان الذى ولد القهر.. تهرب الروح بعيدًا، سواء بالجسد أو بالوعى أو بالاثنين.. فالعودة عند الفتاة مجال لتخيل مكان لا تعرفه، وعند السيدة مجال لتذكُّر مكان لن تراه. وعند الاثنين العودة أبدًا ليست اختيارًا حقيقيًّا.

الرضا بالذهاب بلا عودة من ملامح القهر الذى فُرِض على الروح.. والرضا بالقهر أول الكفر.. الكفر بفكرة التغيير أو احتماليته.. لذلك فإن آخِر ما قالته السيدة هناك، وتراكمات الكسر والتراب أمام عينيها تملأ المكان: “كل ما نقوم ننبطح”.. وجاء الرد من رجل يبدو فى نهايات الثلاثينات- حيث يبدأ حماس الشباب التواري- “كما لو أن المدينة لا تريد أن تبادلنى الحب”.. ضربة وراء ضربة.. وقائع حياة تعمق الرغبة فى الابتعاد، الرغبة فيما هو غير متاح، ما هو أساسيات وحقوق فى أغلب البلاد.. ووسط تراكمات القهر، ومع القبول بأن ربما حقًّا المدينة- المكان- فى تجسُّد الحياة فيها، لا تريد مبادلة الحب، لا تعبأ بإنسانها، هنا يتحول الكفر بفكرة التغيير واحتماليته إلى كفر بالمكان- وتلك من أكبر الخسائر للإنسان وللمكان.

لذلك فإنه بالرغم من الخسائر الفادحة التى تكبّدها الشام فى السنوات العشر الماضية يبقى رحيل الملايين ممن رحلوا، ممن ذهبوا وقد قبلوا بعدم العودة، من الأثمان الداعية للتوقف أمامها.

* كاتب مصرى مقيم فى لندن