رصيد كتاب الديوان لدى كبار النقاد والأدباء، رصيد إيجابى، سأعود إلى بيان إيجابياته، ولكن العنف الشديد كان ولا يزال محل انتقاد، فالكمال غير وارد، والخطأ فى التقدير وارد، بيد أن العنف والاستهزاء دخيلان ولا شك على النقد الموضوعى.
وظنى أن تفسير هذا العنف، ولا أقول تبريره، يرجع إلى عاملين أفصح عنهما كتاب الديوان فى افتتاحيته، يجملان فى المكانة العالية التى كان يحتلها شوقى والمنفلوطى على التخصيص، ومن ثم صعوبة تقبل انتقادهما ناهيك بتخطئتهما أو هز المكانة التى كادت تضع كلاَّ منهما فوق النقد، والأمر الثانى ما رآه المؤلفان من الفساد الذى دب بين الأقلام المأجورة، والستار الكثيف الذى صنعته هذه الآقلام وأقامت به جدارًا عاليًا يحجب الحقيقة التى يأمل المؤلفان أن تصل للناس، وأن يخلخلا من أجله هذا الجدار الكثيف ليلقيا الضوء على ما يريدان تجليته، ومن ثم ارتأيا أن العنف لا بديل عنه، سواء لهز المكانة العصية، أو لاختراق حجاب الأقلام المأجورة.
فى أول فصول الجزء الأول من كتاب الديوان، عن شوقى فى الميزان، يشير العقاد إلى الضجة التى يقيمها شوقى حول اسمه، والإسراف فى توظيف الأقلام لبث تبجيله وممالأته، وترويج أعماله حتى القديم منها الذى فات أوان التعقيب عليها ناهيك بالترويج لها.
يقول العقاد فى حملة عنيفة على هذه الأقلام المأجورة:
«ومن كان فى ريب من ذلك فليتحققه فى تتابع المدح لشوقى ممن لا يمدح الناس إلا مأجورًا. فقد علم الخاصة والعامة شأن تلك الخرق المنتنة نعنى بها بعض الصحف الأسبوعية. وعرف من لم يعرف أنها ما خلقت إلا لثلب الأعراض والتسول بالمدح والذم وأن ليس للحشرات الآدمية التى تصدرها مرتزق غير فضلات الجبناء وذوى المآرب والحزازات. خبز مسموم تستمرئه تلك الجيف التى تحركها الحياة لحكمة كما تحرك الهوام وخشاش الأرض. فى بلد لو لم يكن فيه من هو شر منهم لماتوا جوعًا أو تواروا عن العيون. هذه الصحف الأسبوعية وهذا شأنها وتلك أرزاق أصحابها تكيل المدح جزافًا لشوقى فى كل عدد من أعدادها، وهى لا تنتظر حتى يظهر للناس بقصيدة تؤثر، أو أثر يذكر، بل تجهد نفسها فى تمحل الأسباب واقتسار الفرص. فإن ظهرت له قصيدة جديدة وإلا فالقصائد القديمة المنسية فى بطون الصحف، وإن لم يكن شعر حديث ولا قديم فالكرم ولأريحية والفضل واللوذعية، وإن ضاقت أبواب الدعاء والاطراء فقصيدة أو كلمة ينشرها شاعر آخر فيستطال عليه بالشتم ويعير بالتقصير عن قدر شوقى والتخلف عن شأوه. وهكذا حتى برح الخلفاء وانهتكت الدسيسة. والعجب أن يتكرر هذا يومًا بعد يوم ويبقى فى غمار الناس من يحتاج إلى أن يفهم كيف يحتال شوقى وزمرته على شهرتهم ومن أى ريح نفخت هذه الطبول».
على أن العقاد لم يكتف بمهاجمة الأقلام المأجورة، وإنما صب عنفه على « أحمد شوقى » قائلاً إن شرفاء الناس يتبرأون من شبهة تربطهم بتلك الصحافة التى يعلمون أنها آفة وأى آفة، فمدحها تهمة، وذمها نعمة، وتقيمها وتقعدها لقمة، وبقاؤها على المجتمع المصرى وصمة، إلاَّ شوقى ! فإنه يعتدها آلة شرف وأحدوثة حسنة فهو يغمس نفسه فى تقريظها ويستزيدها منه، والطامة الكبرى أن ينصب عجاجات من أوباشها للتكريم بين الناس. ولو عمدة قرية فى مثل ثروته بصر به يمد يده بالسلام الخفى لأولئك الأوباش فى خلوة من خلواته لرآها نقيصة يخزى لها ويود أن تكتم عليه. ونقول فى مثل ثروته بصر به يمد يده بالسلام الخفى لأولئك الأوباش فى خلوة من خلواته لرآها نقيصة يخزى لها ويود أن تكتم عليه ونقول فى مثل ثروته اكتفاء بعزة العرف ولا نرهقه بما فوق ذلك من عزة خواص الانسانية وشمم أفذاذ العبقرية. فأما أن تكرم البطالة كما تكرم جلائل الأعمال، وأن يُدعى الناس إلى المحافل لحمد التسول كما يُدعون لحمد الاحسان والمروءة، وأن يتنادى إلى الاحتفاء بناهشى الأعراض كما يحتفى بمهذبى الأرواح وهداة العقول، وأن يؤيد نفاية المجتمع وشذاذه كما يؤيد نوابغ البشر وأفراد العصور، فتلك الهاوية التى لا يبدو قرارها… ووا خجلة مصر !! من الذى يصنع ذلك فيها ؟؟ شعراؤها الشعراء فى كل مصر عشاق المثل الأعلى وطلاب الكمال الأسمى لا يرضون بما دون غاية الغايات مطمحًا لإعجابهم وقبلة لتزكيتهم. ونحن هنا يزكى شعراؤنا من يعد رفق السجانين بهم ضعفًا، وتجاوز الشرطة عنهم ظلمًا، واتساع المجتمع لهم رزءًا… إلا أنه والله للعار وشر من العار. ولقد استخف شوقى بجمهوره واستخف حتى لا مزيد. ما كفاه أن يسخر الصحف سرًا لسوقه إليه واختلاب حواسه واختلاس ثقته حتى يسخرها جهرة، وحتى يكون الجمهور هو الذى يؤدى بيده أجرة سوقه واختلاسه. وأقسم لو فعلها رجل فى أوروبا لما قدر أن يمكث بعدها أسبوعًا واحدًا فى بيئة محترمة ولئن لم يعرف شوقى مغبتها أدبًا ذاجرًا وجزاءً وافرًا يعلمه الفرق بين سوق البقر وسوم البشر ليكونن بلدنا هذا بلدا يجوز فيه كل شئ ولا يؤنف فيه من شئ، ولا يصد المرء أن يخلع فيه عاريًا إلا اتقاء طوارئ الجو وعوارض الحر والبرد. أما الحياء فلا ولا كرامة.
«إن إمراءً به محنة الخوف على الصيت هذا المبلغ لا ندرى ممن يستنكف فى سبيل بغيته وأى باب لا يطرقه تقربًا إلى طلبته. والحقيقة أن تهالك شوقى على الطنطنة الجوفاء قديم عريق ورد به كل مورد وأذهله عما ليس يذهل عنه بصير أريب، وليس المجال منفسحًا للتفصيل ولا الفرصة سانحة لجلاء الغوامض، ولكننا نذكر هنا ما فيه الكفاية لمن يفقه.أما الذين لا يفقهون فلا شأن لنا معهم. نقول إن تهالك شوقى على الشهرة قديم عريق وقد وجد فى مركز أمكنه من قضاء هذا اللبانة إذا كان أشبه بملحق أدبى فى بلاط أمير مصر السابق وكانت وظيفته وسيلة لارتباطه بأصحاب المؤيد واللواء والظاهر وغيرها من الصحف المتصلة بالبلاط، فكانت لا تبخل عليه بالتقريظ والتهليل وتتحاشى أن توسع صفحاتها لنقده كما توسعها لنقد غيره. وأنت إذا قلبت الصحف القديمة رأيت فيها مئات المقالات فى نقد الأدباء المشهورين كتابًا كانوا او شعراء ولا ترى إسم شوقى عرضةً لمثل ذلك من حملاتها. واستثن مقالتين أو ثلاثًا بدأ بها المويلحى نقده فى صحيفته مصباح الشرق ثم قطع سلسلتها، وهذا أدعى إلى الريبة، وكان فى أمان شوقى وموظفين آخرين بالبلاط هبات محبوسة على أقلام الكتاب والأدباء فكان شوقى يوظف منها المرتبات على من يتوسم الناس فيهم العلم بالأدب ويعهدون فيهم سلاطة اللسان، ليمدحوه فى الصحف ويلغطوا فى المجالس بتفضيله وتقديمه».
هذه محض عينة من العنف العنيف والتجاوز اللفظى الشديد الذى تردد فى الكتاب، أردت أن أورد بعضه ليطالعه القارئ بنفسه، فقد درج معظم الناس على قراءة ما كتب عن كتاب الديوان، دون يقرأوا الكتاب نفسه.
ما أبديته من تفسير ليس تبريرًا لهذا العنف والتجاوز، وإنما هو محض تفسير لما أقر به العقاد وساق تبريره له، وهو فى نظرى غير مبرر، وإن كان الحاصل أن هذا العنف هو الذى أحدث دويًّا هائلاً للكتاب، حتى لدى الرافضين لحملته، فتعددت طبعاته فى فترة وجيزة، وصارت وجهة النظر النقدية التى تبناها المؤلفان واضحة بأسانيدها أمام القراء، ولعل هذا هو بيت القصيد.
rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com