العقاد ومدرسة الديوان (18)

العقاد ومدرسة الديوان (18)
رجائى عطية

رجائى عطية

8:30 ص, الأحد, 8 سبتمبر 19

عقدت موسوعة «أعلام الأدب المعاصر فى مصر» فى المجلدين اللذين خصصتهما للأستاذ العقاد فصلاً مستقلاًّ بالمجلد الأول عن «العقاد والنقد التطبيقـى» تنـاول «كتاب الديوان»، متبنيًا وجهة نظر أمْيل إلى جانب أحمد شوقى، بادئة بأنه بالرغم من أن العقاد قد ناقش أو علق على قصائد لشوقى ولغيره فى بعض كتبه الأخرى مثل «ساعات بين الكتب» مثلاً، إلاَّ أن ما قدمه فى كتاب «الديوان» يظل أوضح وأزهى وأهم ما أسهم به هذا المفكر الكبير فى هذا الميدان.

وفى هذا الكتاب تناول العقاد بالدراسة ست قصائد لشوقى، أربع منها فى الرثاء، هى رثاء محمد فريد وعثمان غالب فى الجزء الأول، ورثاء مصطفى كامـل والأميـرة فاطمـة (إسماعيل) فى الجزء الثانى، أما العملان الباقيان فقصيدة شوقى فى استقبال أعضاء الوفد، والنشيد القومى.

وأخذت الموسوعة على هذا الاختيار أنه متعمد، فليس كل شعر شوقى رثاءً، ولا قصيدة مناسبات، وأن هذا الاختيار فيه تحامل، وهو مأخذ صحيح، إلاَّ أنه حصل فى نظرى فى إطار استشهاد لإبراز معانٍ واجبة الإبراز للتجديد فى الشعر، بدليل أن الموسوعة ذاتها قفت بقولها :

«ولكن هذا لا ينفى من وجهة أخرى أن نقد العقاد هنا قد جاء فى كثير من الأحيان مصيبًا كل الإصابة، بل ممتعً كل المتعة، بما غلف به العقاد هذا النقد من سخرية قلّ أن نجد لها نظيرًا فى النقد العربى».

ومضت الموسوعة فى بيان بعض هذه المواضع التى أصاب فيها الأستاذ العقاد فى نقده، لكى يهدم فيما أوردت تقليدًا من تقاليد القصيدة العربية رسخ عبر القرون وهو البداية بالغزل، ومن الغريب فيما عقبت الموسوعة أن «شوقى» كان يعتقد أن أحد أساليب

التجديد «المستتر» هو أن يستغل تقليد «البدء بالغزل» بعيدًا عن الغرض الأصلى للقصيدة، وتمثلت بأن هذا حدا به إلى أن يبدأ قصيدته الجميلة والتوصيف لها التى يمدح فيها الخديو بقوله :

خدعوها بقولهم حسناء والغوانى يغرهن الثناء

بيد أن العقاد على عكس شوقى فيما تعقب به الموسوعة لم يكن يخشى أن يجابه قراءه بالتجديد، بل يهدف إلى أن يصدمهم برأيه فيما يقدسونه من تقاليد شعرية، ومن ثم فقد سخر من شوقى على نحو لاذع، على حين كان شوقى يمارس هنا أسلوبه «المسالم» فى التجديد.

هذا وبرغم أن الموسوعة أوردت أن نقد العقاد لرثاء شوقى لمحمد فريد ومصطفى كامل والأميرة فاطمة فيه كثير من التجنى، مستدلة على ذلك بما تراه، إلاَّ أنها أقرت بأنه كان مصيبًا كل الصواب فى نقده لرثاء شوقى لعثمان غالب، وأوردت ما أنقلـه للقارئ بنصه :

«أما قصيدة شوقى فى «رثاء عثمان غالب»، وهى قصيدة خان شوقى التوفيق فيها كليةً، فقد أحسن العقاد اختيارها لتحقيق هدفه، من توضيح زيف الشعور عند شوقى هنا، والجرى وراء التفنن اللفظى السخيف. والقصيدة تبدأ بقول شوقى :

ضجت لمصرع غالب 
فى الأرض (مملكة النبات)

أمسـت (بتيجان) عليــه من الحـــداد منكســات

قامت على (ســـاق) لغيبته وأقعدت الجهات

وترى (نجوم الأرض) من جزع موائد كاســـفات

«ثم ينتقل شوقى من رثاء العالم النباتى إلى رثاء العالم الطبيب قائلاً :

أما مصاب الطب فيــه

فسل به ملأ الاســـاة

أودى الحمــام بشيخهم ومآبهم فى المعضـلات

ملقى الــدروس المســـفرات عن الغروس المثمرات

«فيلاحظ العقاد أنه لم ينح نحوه الأول فيقول نيابة عنه :

طربت لمصرع غـــالب

فى الأرض رسل الحميات

قد مات (غالب) جندهــا

فتمردت بعد (الممات)

أمست جراثيم المــلاريا

من سـرور (ظاهرات)

وتفرق التيفوس والـــ

تيفـود فى كل الجهـات

«إلى آخر تلك الأبيات التى تفيض بالسخرية، وتكشف عن مدى الزيف الشعورى فى أبيات شوقى».

هذا ولم أتوقف عند ما لا تتفق فيه الموسوعة مع نقد العقاد للقصائد الثلاثة الأخرى وللنشيد القومى، فالاختـلاف فـى الـرأى وارد، والوصف بالتجنـى أو التحامـل أو بالاعتساف وارد، وإنما الذى يعنينا هنا هو ما أضافه الأستاذ العقاد من آراء بالغة الأهمية فى وجوب التجديد فى الشعر.

rattia2@hotmail.com

www. ragai2009.com