العقاد ومدرسة الديوان (14)

العقاد ومدرسة الديوان (14)
رجائى عطية

رجائى عطية

6:50 ص, الأثنين, 2 سبتمبر 19

«وتحتل الطبيعة الصامتة والمتحركة حيزًا واسعًا فى الديوان ، وقد خصَّ النيل بقصائد كثيرة لعل أهمها «على النيل» ووقف كثيرًا عند الليل، وله قصيدة بديعة فى الصحراء وقصائد مختلفة فى البحر، ويحرك القمر ببهائه فيه كثيرًا من العواطف الحية، ونراه يولع بتصوير فصول السنة، كما يولع بعالم الزهور وخاصة بالوردة. ويقف طويلاً أمام عالم الطير تملؤه الرحمة كما يملؤه العطف والشفقة. وهو فى كل ذلك يحلق بأفكاره فى مدى بعيد من الحس والشعور والتأمل العقلى الواسع. ولا يخلو شعره من الفكاهة على نحو ما فى قصيدته «ثقيل»، كما لا يخلو من الأفكار الفلسفية الدقيقة على نحو ما نرى فى قصيدتيه «الدنيا الميتة»

و«الموسيقى».

«وهذه الأنغام التى نستقبلها من ديوانه الأول المكوّن من أربعة أجزاء هى نفس الأنغام التى نستقبلها بعد ذلك فى دواوينه التى أخرجها من بعده، أو هى على الأقل أغلب تلك الأنغام. فقد أخرج ديوانًا سماه «وحى الأربعين» وأكثره تأملات فى الحياة وخواطر فى الحب والطبيعة. وتلاه بديوان «هدية الكروان» نظم فيه كثيرًا من القصائد فى هذا الطائر المصرى الذى يملأ ليالى الوادى بأناشيده العذبة وترتيلاته الشجية، وأمُّ هذه القصائد قصيدته:

هل يسمعون سوى صَدىَ الكرْوانِ

صوتًا يُرَفْرِفُ فى الهزيع الثانى

«وهى من قصائد ديوانه الأول، جعلها فاتحة قصائده فى هذا الديوان والنبعَ الذى يستمد منه أنغامه وألحانه فيه. ولا نشك فى أنه يستلهم فى هذه القصيدة وذلك الديوان قصيدة شللى الشاعر الإنجليزى «قبُرَّة» وهى من روائع هذا الشاعر وبدائعه، وفيها يشبه القبرة بالفرح المجرد. وليس معنى ذلك أن العقاد يقتبس من شللى أو ينقل، فهو يلهمه ويوحى إليه، أما بعد ذلك فمعانيه فى قصائده له. وقد نحس نفس الإحساس إزاء كثير من قصائده بدواوينه المختلفة فى الطبيعة والحب، ففيها جميعًا أثر قراءاته فى الآداب الغربية، ولكنها مطبوعة بشخصيته، وتستمد من أفكاره وأحاسيسه ما يجعلها مصرية عربيـة صميمة.

«ورأى فى الغرْب منزعًا نما بعد الحرب العالمية الأولى، إذ انصرف بعض الشعراء عن الحب والطبيعة والميثولوجيا القديمة إلى حياتهم الحاضرة، وحولوا كل ما فيها مما يُعدُّ يوميّا عاديًّا أو تافها إلى شعر لا يقل عن شعر الحب والطبيعة جمالاً وجلالاً. وفى هذا الاتجاه أصدر ديوانه «عابر سبيل» وفيه نراه يأخذ بعـض الموضوعـات اليوميـة ويفيض عليها من تأملاته العقلية والنفسية، على نحو ما نرى فى قصيدته «كوّاء الثياب ليلة الأحد» وهو يستهلها بقوله:

لا تنمْ ، لا تنم

إنهم ساهرونْ

«ومن قصائده فى هذا اللون الجديد التى تؤثر فى قارئها حقًّا قصيدة «صورة الحىّ فى الأذن» و «نداء الباعة قبل انصرافهم فى الساعة الثامنة ». ونجد بجانب هذه القصائد متفرقات لعل أروعها قصيدته التى حّيَّا فيها «دار العمال» ونعى ظلم الأغنياء لهم بينما ينعمون بعرق جبينهم وجهد أيديهم.

«وأخرج فى الحرب العالمية الثانية ديوانه «أعاصير مَغرب» وسماه هذا الاسم إشارة إلى ظهوره وعالمُ الدنيا مضطرب بأعاصير الحرب وعالمُ نفسه مضطرب بأعاصير مختلفة من حب وغير حب. وهو موزع فيه بين العالمين، وفيه كثير من الرثاء وشعر المناسبات ولعل أروع قصائده فيه قصيدته فى المذياع أو كما سماه «صَدّاح الأثير» وهو يفتتحها بقوله:

ملأ الآفاق صدَّاحُ الأثيرْ

لا فضاءَ اليوم، بل صوتٌ ونورْ»

وعاد الدكتور شوقى ضيف ليورد فى كتابه المميز «دراسات فى الشعر العربى المعاصر» ليتناول شعر العقاد ودوره فى التجديد، وتناوله للموضوعات اليومية باقتدار فى ديوانه

«عابر سبيل»، ليقرر أن الثلاثة: شكرى والمازنى وهم «أول من زاوج فى مطالع القرن العشرين بين شعرنا القديم والاتجاهات الغربية التى بعثـت فـى شعرنا حياة وقوة، فقد لاءموا ملاءمة دقيقة بين ما قرءوه للقوم وبين حياتهم ونفوسهم، فلم يفنوا فيهم، ولم يذوبوا فى محيطهم، بل استمر لهم استقلالهم، واستمر لهم فى الوقت نفسه تجديدهم القائم على دعائم ثابتة من شخصياتهم ومن مزاجهم وأذواقهم ومن مشاعرهم وأحاسيسهم.

«ويبرز ذلك بروزًا واضحًا فى الدواوين التى نشروها والمقدمات التى وضعت بين يديها، ثم فى نفس النماذج التى يقرؤها الإنسان داخل هذه الدواوين. حقًّا هم يترجمون أحيانًا، ولكنهم يصنعون ذلك عامدين ليوضع النموذج الغربى بجانب النموذج العربى الحديث.

«ولقد أبقوا فى نماذجهم على جانب من شعر المناسبات، ولكنهم عدلوها بحيث تكون صادقة، ولا تكون محققة لمثل أعلى مرسوم، تنطبق فيه قصيدة المديح والرثاء على كل شخص، بل طلبوا فيها أن تكون ممثلة للواقع، صادرة منه ومن ذات الشاعر وروحه.

«وفى الوقت نفسه أدخلوا شعرهم فى مجرى الحياة الإنسانية التى لا بداية لها ولا نهاية، كما أدخلوه فى مجرى حياتهم الاجتماعية وما يسودها من قلق وتشاؤم، وبذلك صوروا عصرهم ومجتمعهم كما صوروا خلجات قلوبهم فى صدق واستيفاء واستيعاب.

«وتجاوزوا موضوع القصيدة إلى الشكل، فأحدثوا صورًا جديدة فى بعض النماذج من حيث الوزن والقافية، إذ عمد بعضهم إلى القوافى المرسلة والمزدوجة والمتقابلة ينظم فيها، وكل ذلك بدون محاولة لإهدار اللفظ وقواعد اللغة والنحو. ومن هنا لم تتسع الهوة عندهم بينهم وبين شعرنا فى العصور السالفة على نحو ما اتسعت عند شعراء المهاجر الأمريكى ومن نهج نهجهم، وكأنهم كانوا من سلامة الحس ودقته بحيث أبقوا على الصلة بالقديم فلم يبتروها. ونحن نقصد الحس الفنى، حسَّ الشاعر بالتراث السابق له من الشعر دون أن يجور عليه، ودون أن تتحول نماذجه فى نفسه إلى أصنام يعبدها من دون عصره وثقافته وبيئته وشخصيته ووجدانه ومشاعره، وما يُطوى فى ذلك من حزن وسرور وألم ولذة.

«وكل هذا معناه أنهم كانوا يؤمنون بأن للشعر حاضرًا وماضيًا، وأنه ينبغى أن يمثل الماضى ويتصل به لا عند العرب فحسب، بل أيضًا عند الغربيين وما ينظمون من شعر. وبذلك وسعوا دائرة الشعر. فلم يعد يحجل فى الماضى وقيوده عند العرب وحدهم، بل أخذ يدخل فى دوائر ومجالات لا تكاد تنحصر، هى مجالات العقل البشرى كله وما أنتج من مُثل عليا فى الشعر والفن. وليس ذلك فحسب، بل إن من واجب الشاعر أن لا ينكر نفسه ولا فرديته فى الشعر، فما يصدر منه ينبغى أن يمثل ذاته وأهواءه كما يمثل التفاتات عقله وتأملاته الشاملة المحيطة.

«ولعل من الغريب أن المازنى لم يثبت طويلاً للمحاولة، فقد انصرف عن الشعر بعد إخراج الجزءين الأول والثانى من ديوانه أو كاد، وكذلك عبد الرحمن شكرى فإنه على الرغم من أنه أخرج دواوين كثيرة لم يستمر فى محاولاته، إلاَّ ما نظم من قصائد مفردة نشرها فى بعض المجلات. أما الذى ثبت واستمر يوضح هذا التيار الذى لا ينقطع فى نفسه هو عباس العقاد، فإنه ما زال يصدر دواوين مختلفة، وفى كل ديوان يضع مقدمة تصور عمله وجهده فيه».

rattia2@hotmail.com

www. ragai2009.com