هذا ومع أن الدكتور مندور أفصح عن أنه سيستبعد كل ما لا يتعلق بالنقد، إلاَّ أنه خاض فى بعض قصائد الأستاذ العقاد وأعمل فيها رأيه الخاص، وظنى أن نقده فيه قدرٌ غير قليل من التعسف، وإن ختم الباب الذى كتبه عن العقاد بقوله: «هذا هو الأستاذ عباس محمود العقاد ناقدًا حاولنا أن نلم بأطراف نظريته العامة فى الحياة وفى الأدب وفى النقد، وهى نظرية واسعة متشعبة واضطررنا إلى أن ننحى عنها كل ما لا يدخل فى الأدب ونقده ودراسته دخولاً مباشرًا حتى لا يطول بنا الحديث، ولقد وافقناه على بعض آرائه وخالفناه، ولا نزال نخالفه فى بعضها الآخر، ولكننا نحمد له دائما أنه شاعر، وقصاص وناقد وأستاذ باحث أصيل. وهو فوق كل هذا، وقبل كل هذا، من أعلام الفكر المعاصرين الذين يستثيرون دائما القارئ ويدفعونه إلى مناقشته الرأى إذا استطاع، وإن يكن الزمن قد سار سيرته فأصبح العقاد اليوم فى طليعة المحافظين المتزمتين بعد أن كان فى طليعة دعاة التجديد وأنصاره الدافعين دائمًا إلى الأمام».
ولا يفوت القارئ «التعريض» الذى جاء بالجملة الأخيرة أن العقاد بدأ مجددًا وفى طليعة دعاة التجديد وأنصاره الدافعين دائمًا إلى الأمام، فأصبح اليوم فى طليعة المحافظين المتزمتين.
ولا ريب فى رأيى أن العقاد شاعر عظيم ومجدد، وقد رويت للقارئ سلفًا كيف كان يحرص الشاعر الكبير أحمد عبد المعطى حجازى فى ندوتنا أن يطلب منى أحد دواوين العقاد التى أربت على العشرة، ليقرأ لنا فيها، مقرًّا أنهم أخطأوا فى حق هذا الشاعر الكبير، كما تعرضت سلفًا للمقال الضافى الذى كتبه المرحوم صلاح عبد الصبور لمجلة الهلال الشهرى عن «شاعرية العقاد».
على أن ناقدًا بوزن الدكتور مندور لا يمكن تجاهله، لذلك فقد عرضت ما استطعت آراءه التى خالف فيها العقاد، وما تطرق إليه خارج النقد من تناول بعض قصائده خلافًا لما أبداه من أنه سيلتزم بالحديث عن العقاد الناقد، وسينحى جانبًا كل ما لا يدخل فى دائـرة النقد.
ومثل الدكتور مندور لا يمكن تجاهل رأيه، لذلك آثرت أن أرجع إلـى الأستـاذ الكبير الدكتور شوقى ضيف، الذى لا يُشك فى علمه الواسع المحيط، ولا فى موضوعيته وحيدته.
فى كتابه القيم « الأدب المعاصر فى مصر » الذى طبع نحو عشرين طبعة، تحدث الدكتور ضيف عن أعلام الشعر فى العربية فى العصر الحديث، البارودى، وإسماعيل صبرى، وحافظ إبراهيم، وشوقى، وخليل مطران، وعبد الرحمن شكرى، وعباس محمود العقاد.
ويذكر أن فى حياة العقاد عناصر كثيرة أسهمت فى تكوين شعره وشخصيته الأدبية، وأنه قد رآه فى مطالع شبابه يقود مع شكرى والمازنى معارك التجديد فى شعرنا، وأضاف قائلا: «ونحن نلقاه فى ديوانه الأول المؤلف من أربعة أجزاء كما نلقاه فى ديوانه الأخيـر « بعد الأعاصير» بنفس الشخصية. ومن يطلع على ديوانه الأول يستطيع أن يلاحظ فيه قصيدة نونية نظمها على نمط قصيدة لابن الرومى وأخرى نظمها خمرية على نمط ابن الفارض، ولكن النمط الأول هو الذى كان يتفق مع روح جماعته الأدبية المتشائمة. ولعل ذلك ما جعله يخص ابن الرومى بكتاب، فقد شُغف به منذ فجر حياته الشعرية، لأنه وجد عنده نفس الأنغام التى كانت تعجب بها مدرسته، أنغام الحزن والشكوى من الدهر والناس.
«وليس معنى ذلك أن العقاد كان يعنى بمعارضة ابن الرومى والصبِّ فى قوالبه على مثال ما عُنى شوقى بمعارضة البحترى مثلاً، فالعقاد يستقل فى شعره وقوالبه عن ابن الرومى وغيره على نحو ما يستقل خليل مطران عن شعراء العرب، فهو مثله يستوعب الصياغة القديمة، ولكنه لا يفنى فيها ولا يتحول إلى قوالبها يصب فيها أو يسكب ما فى نفسه، فحسبه أن يتمثلها، ثم تصبح ملكًا له يستخدمها كما تشاء ملكته الفنية دون أن يظهر عنده إتباع أو تقليد واضح إلاَّ فى القليل النادر.
«وهو من هذه الناحية يعنى بأسلوبه عناية واسعة، وهى عناية تقوم على الجزالة والمتانة واستخدام اللفظ الفصيح، ويغلب على أساليبه الوضوح، كما تغلب عليها المرونة. ويدخل فى هذا الاتجاه محافظته على الأوزان العروضية القديمة، فهو ليس ممن يرون التجديد فى الأوزان ولا ممن ينزعون إلى استخدام الموشحات الأندلسية، فكان يرى التجديد فى المعانى دون الألفاظ والعروض، وهذا ما يجعل لشعره الجديد إطاره المستقل، وهو إطار لا يخرج على الأوضاع القديمة، بل يستغلها ويوسع فى جنباتها لتحتمل تجربتـه الحديثة.
«ومن أهم ما يميزه استيعابه للفكر الغربى، وهو يعلنه منذ ديوانه الأول ولا يخفيه، فقصيدته الرابعة فيه معربة عن شكسبير وعنوانها « ﭭينوس على جثة أدونيس » ونمضى فى الديوان فنجده يترجم له قطعة من مسرحية « روميو وجولييت » كما نجده يترجم قطعة عن الشاعر الإنجليزى كوبر بعنوان « الوردة».
«وهذه القطع المترجمة ليست أكثر من رموز إلى ثقافته بالآداب الغربية، ومع ذلك استطاع أن يتحرر منها ليجد نفسه وشخصيته وروحه المصرية الجديدة. وهى روح تبرز عنده كما يمثلها ديوانه فى اتجاهين، أما أولهما فالوقوف بآثار الفراعنة وإشادته بحضارتنا القديمة، ومن خير ما يصور ذلك قصيدتا «أنس الوجود» و«تمثال رمسيس». وأما ثانيهما فوصف عواطفنا السياسية والوطنية، وأروع ما يصور ذلك قصيدته « يوم المعاد » التى نظمها بعد رجوع سعد زغلول من منفاه، وفيها يقول :
ما يبتغ الشعبُ لا يدفعْه مقتدرٌ
من الطغاة ولا يمنعْه مغتصبُ
فاطلب نَصيبّك شعبَ النيل واسْمُ لهُ
وانظر بعينيك ماذا يفعل الدّأبُ
ما بين أن تطلبوا المجد المعدَّ لكم
وأن تنالوه إلاَّ العزمُ والطلب
« ومما يمتاز به العقاد أيضًا فى ديوانه الأول أن « الوحدة العضوية» للقصيدة تتكامل عنده، فلم تعد أنغامها تتبدد بين موضوعات مختلفة، بل أحكم التآلف بينها، بحيث أصبح للبيت فى القصيدة مكانة الذى لا يعدوه ، فهو جزء من كل، أو هو عضو من جسد واحد، ومن الصعب أن يُنقل إلى غير مكانه أو ينزع من موضعه.
«وليس هذا وحده ما يمتاز به العقاد فى تجربة المدرسة الجديدة، فقد نمَّى بناء القصيدة العام تسعفه فى ذلك ثقافته الواسعة بالآداب الغربية، ولسنا نقصد البناء اللفظى، وإنما نقصد البناء المعنوى، وما يزخر به شعره من تأملات وتوليدات عقلية يرسلها على كل ما حوله خاضعًا للمنطق خضوعًا شديدًا.
« وأهم الموضوعات التى تستنفد شعره فى ديوانه الأول بأجزائه الأربعة الحب والطبيعة، أما الحب فتراه يعبر فيه تعبيرًا دقيقًا عن المشاعر والإحساسات الدفينة، ومن خير قصائده فيه «نفثة» التى يستهلها بقوله:
ظمآن ظمآنُ لا صَوبُ الغمام ولا
عَذبُ المدام ولا الأنداءُ تروينى
وقصيدته التى نظمها فى قطعتين بعنوانين متواليين « مولد الحب، وموت الحب »، وفيها قارن بين مولد الحب ونهايته السريعة مقارنة طريفة.
rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com