العقاد ومدرسة الديوان (11)

العقاد ومدرسة الديوان (11)
رجائى عطية

رجائى عطية

6:12 ص, الأربعاء, 28 أغسطس 19

لم يكن ما ألمحت إليه سلفًا من تعقيب الدكتور مندور، هو كل ما اختلف فيه مع الأستاذ العقاد، بل وظهر ميله إلى ذلك فى عدة مواضع أخرى، لعل منها أنه مع إقراره ـ بقوله ـ باتفاق العقاد ونعيمة فيما تبنّاه كل منهما من الدعوة إلى التجديد ـ إلاَّ أنه ساورنى أحساس بأن الكفتين غير متعادلتين عنده، مما يقتضينى أن أتوقف وقفة سريعة إزاء كتابىْ الديوان والغربال وبعض تعقيب الدكتور مندور عليهما.

بين كتابىْ الديوان والغربال ظهر كتاب الديوان للعقاد والمازنى فى يناير / فبراير 1921، بينما ظهر كتاب الغربال لميخائيل نعيمة فى سنة 1923، والكتابان يتفقان فى هدف واحد هو الهجوم العنيف على مدرسة الأدب التقليدى أى مدرسة البعث، والدعوة إلى أدب جديد.

وقد دعا ذلك ـ الدكتور محمد مندور للبحث فيما إذا كان هناك تأثير متبادل بين الكتابين، وظنى أن الصحيح هو البحث فيما إذا كان الكتاب اللاحق قد تأثر من عدمه بكتاب الديوان الصادر قبله بأكثر من عامين، ولكن الدكتور مندور شـاء أن يطـرح القضيـة هكذا (؟!)، ثم أكد أن الاستقراء التاريخى السليم يؤكد أن هذا التأثير المتبادل لم يحدث، ولعل الأصح أن يقول إن تأثير كتاب الديوان فى كتاب الغربال لم يحدث، وعلى أية حال فقد استشهد بأن الأستاذين نعيمة والعقاد ـ هكذا وضع الترتيب فى عبارته ـ وقد أكدا لـه أن هـذا التأثـر «المتبادل ؟!!» لم يحدث، وأن كلا منهما قد سارا فى خط موازٍ للآخر دون سبق إلتقاء، وأن الأديبين نعيمة والعقاد ـ هكذا وضع الترتيب للمرة الثانية ـ قد حدثاه بأنه لم يسبق لهما إلتقاء شخصى إلاّ فى مؤتمر الأدباء العرب الذى انعقد بالقاهرة فى ديسمبر سنة 1957.

ولست أخفى على القارئ، أننى دُهشت من تقديم الدكتور مندور لاسم نعيمة على اسم العقاد مرتين فى هذه العبارات، ومرجع دهشتى أن هذا الترتيب لا يشفع فيه سن، ولا مكانة، ولا تاريخ ظهور كل من الكتابين.

فالأستاذ العقاد أسن ـ وإن بشهور ـ من الأستاذ نعيمة، فقد ولد العقاد فى يونيو 1889، بينما ولد نعيمة بعده فى أكتوبر 1889، ولا يجادل أحد فى أن مكانة العقاد فى الفكر والأدب العربى أثقل وأرجح من مكانة نعيمة، والأهم أن كتاب الديوان صدر قبل كتاب الغربال بأكثر من عامين، ومن ثم كانت دهشتى التى استدعت إلى خاطرى ما كان بين العقاد ومندور من خلافات شديدة.

بقى أن الدكتور مندور أشار إلى أن الجانبين قد تبادلا التحية فى كتاب الغربال الذى كتب العقاد مقدمته، وجاء بكتاب الغربال من حديث الأستاذ ميخائيل نعيمة عن كتاب «الديوان» ـ ما وصفه الدكتور مندور بأنه «حماسى حار»، استهله بقوله :

«ألا بارك الله فى مصر، فما كل ما تنثر ثرثرة، ولا كل ما تنظمه بهرجة، وقد كنت أحسبها وثنية تعبد زخرف الكلام وتؤلمه رصف القوافى. فكم زمرت لبهلوان، وطلبت لمشعوذ «وطيبت» لكروان، غير أنى عرفت اليوم بالحس ما كنت أعرفه أمس بالرجاء، عرفت أن مصر مصران لا واحدة : مصر ترى البعوضة جملاً والمدرة جبلاً، ومصر ترى البعوضة بعوضة والمدرة مدرة. ومصر لها ميزان بكفة واحدة ومقياس بطرف واحد، ومصر لها ميزان بكفتين ومقياس بطفين، فهى تفصل بين الرطل والدرهم وتميز بين الفتر والفرسخ، إن مصر هذه ـ مصر الثانية ـ قد قامت اليوم تناقش الأولى الحساب فانتصبت وإياها أمام محكمة الحياة وسلاحها الوجدان الحى ومحكها الحق، لأنها تقول لها «إما أن تثبتى لى حق باعتبارى فأسكت، أو أريك كل ما فيك من زيف فتسكتين» وبعبارة أخرى إن مصر تصفى اليوم حسابها مع ماضيها».

■ ■ ■

ومما ناقشه الدكتور مندور اتجاه ميخائيل نعيمة فى شأن اللغة، حيث اعتنق نعيمة أن اللغة مجرد رموز كغيرها من الرموز، وليست إلاَّ وسيلة للإفصاح عما يختلج فى النفس، وحسبما أن تؤدى هذه الوظيفة، ومن ثم هاجم الأدباء والنقاد المتزمتين فى اللغة فى مقال بالغربال بعنوان «نقيق الضفادع»، وانتقد مندور هذا الاتجاه ونعى عليه أن قواعد اللغة ليست قيودًا متطفلة، بل أدوات تعبير بالغة الأهمية، وأنه إذا كانت اللغة رموزًا للتعبير عن أدوات الأشياء والمفاهيم، فإن أدوات الإعراب هى وسائل التعبير عن العلاقات التى تقوم بين دلالات الألفاظ من فاعلية ومفعولية وإخبار وإنشاء وتحديد زمنى ونوعى للأحداث، والتعاون فى قواعد اللغة هو تهاون فى أهم جوانبها الوظيفية.

وأبدى الدكتور مندور أنه على ضوء هذه الحقائق يتفق مع الأستاذ العقاد الذى حرص فى المقدمة التى كتبها الغربال، أن يوضح فيها اختلافه مع رأى الأستاذ نعيمة فى شأن اللغة، فقال :

«أما كلمتى أنا ففى خلاف صغير بينى وبين المؤلف لا أعرضه للمناقشة إلا لأن الاتفاق بيننا فى غير هذا الموضع عظيم وزبدة هذا الخلاف أن المؤلف يحسب العناية باللفظ فضولاً ويرى أن الكاتب أو الشاعر فى حل من الخطأ ما دام الغرض الذى يرمى إليه مفهومًا، واللفظ الذى يؤدى به معناه مفيدًا ويعن له أن التطور يقضى بإطلاق التصرف للأدباء فى اشتقاق المفردات، وارتجالها وقد تكون هذه الآراء صحيحة فى نظر فريق من الزملاء الفضلاء ولكنها فى نظرى تحتاج إلى تنقيح وتعديل، ويؤخذ فيها بمذهب وسط بين التحريم والتحليل»

«فرأيى أن الكتابة الأدبية فن والفن لا يكتفى فيه بالإفادة ولا يعنى فيه مجرد الإفهام. وعندى أن الأديب فى حل من الخطأ فى بعض الأحيان ولكن على شرط أن يكون الخطأ خيرًا وأجمل وأرقى من الصواب، وأن مجاراة التطوير فريضة وفضيلة ولكن يجب أن نذكر أن اللغة لم تخلق اليوم فنخلق قواعدها وأصولها فى طريقنا، وأن التطور إنما يكون فى اللغات التى ليس لها ماض وقواعد وأصول، ومتى وجدت القواعد والأصول فلماذا نهملها أو نخالفها إلا لضرورة قاسرة لا مناص منها ؟؟»

«ومع هذا يلوح لى أن الخلاف بيننا خلاف فى التطبيق لا فى الجوهر، لأن المؤلف الألمعى يعرف العلاقة بين اللفظ والمعنى أحسن تعريف فلا يجوز باللفظ ولا بالمعنى عن حده فى البلاغة. وله فى هذه المجموعة أقوال فى هذا المعنى منها قوله فى بلاغة شـكسـبير: «إن بين أفكاره وأكسيتها اللغوية ترابطاً هو غاية فى الدقة والفن وهذا الترابط هو ما يكسبها جلالها الملوكى وسلاستها السحرية ورنتها الموسيقية، ومن ترجمها دون جلالها وسلاستها ورنتها يكون كمن أخذ من الشجرة ساقها بعد أن عراه من الفرع والغصون والأوراق، وليس يقول قائل من عشاق البلاغة اللفظية غير ذلك فى هذا الصدد ولا أكثر من ذلك».

وعلى هذا نرى أن الأستاذ العقاد لم يبادل الأستاذ نعيمة التحيـة سـواء بسـواء، بل اعترض فى صراحة ووضوح على اتجاه فى كتاب الغريـال بشـأن اللغـة، وأبـدى أنـه لا يقره، وأورد حججه على ذلك.

بيد أن هذه الجزئية المهمة ـ لم تستوقف الدكتور مندور على أهميتها، بل واتهم العقاد فى موضع آخر بأنه يتنكر أحيانًا تنكرًا تامًّا للغة العربية، وذلك على نحو ما فعله مع الشاعر البدوى محمد عبد المطلب فى كتابه «شعراء مصر وبيئاتهم فى الجيل الماضى»، هذا وقد سبق أن تناولت ذلك الموقف سلفًا عند مناقشتى للكتاب، وليس فى موقف العقاد من الشاعر المذكور أى تنكر للغة العربية، بل إن هذا الاتهام يتناقض مع ما أورده الدكتور مندور ذاته من تحفظ الأستاذ العقاد فى المقدمة التى كتبها لكتاب الغربال ـ واعتراضه فيها على رأى ميخائيل نعيمة فى شأن اللغة العربية، وقد سلف بيانه بنصه، ولم يمنع الأستاذ العقاد من إبداء اعتراضه أنه يكتب مقدمة للكتاب جرت معظم الأعراف على المجاملة فيها أو على الأقل التغاضىعما يجب أن يُقال.

هذا ومع إقرار الدكتور مندور باتفاق الديوان والغربال، لم يأخذ شيئًا على مؤلف الغربال، بينما أخذ أشياءً على الأستاذ العقاد، وفى دوائر خارج ما قرر أنه سيلتزم به، فتعرض ـ مثلاً ـ لقصيدة ترجمة شيطان، ونعى على الأستاذ العقاد أنه يتفلسف فيها، وعاد ليأخذ عليه أن هذا العملاق ينسى أحيانًا عقله الجبار ليدخره للنثر، وذلك لكى يطلق عاطفته (غير الجبارة بل الأليفة المتواضعة)، على نحو ما فعل فى قصيدة «نفثة» من ديوانه «أشباح الأصيل»، وأشار فى موضع آخر إلى أن بعض مقاييسه الشعرية تحتاج فى رأيه إلى المراجعة والتقويم، وأقحم مقال العقاد فى «التمثيل» متبنيا ما قاله البعض بشأن ما يعنيه بالملك «ديموس»، من أنه الجمهور الأحمق القاهر المجنون، وقد سبق لنا تناول ذلك والرد عليه فى المجلد الأول لمدينة العقاد (ص 156 ـ 159)، وانتقد رأيه فى «الوحدة العضوية» للقصيدة، قائلاً إنها وإن كانت سليمة من ناحية الفلسفة الجمالية، إلاَّ أنها لا تتصور فى الشعر الغنائى الخاص ـ أى فى القصائد الشعرية، ومضيفًـا أن «الوحدة العضوية» لا تكون إلاّّ فى فنون الأدب الموضوعى كفن المسرحية، وفن القصة والأقصوصة، لا فى شعر القصائد، إلى غير ذلك!

rattia2@hotmail.com

www. ragai2009.com