الولوع بالأعراض دون الجوهر
من العيوب التى رصدها العقاد على شعر شوقى والمقلدين بصفة عامة، الولع بالأعراض دون الجوهر، واتخذ رثاء شوقى لمصطفى كامل مثلاً على هذا الولع، وعلى أنماط التقليد ومذاهبه، والفرق فيما يرى ـ بين الولع بالأعراض دون الجوهر وبين أنماط التقليد ومذاهبه ـ هو كالفرق بين الخطأ واللعب والشغف والعبث، وأن لكل منهما سبب يمت به إلى الآخر، إذا تشابها فى الصدور عن طبع أعوج وعقل فارغ. وقد يسهل التفطن إلى الإحالة، ولكن التفطن إلى هذا الضرب من العبث عسير على من لا يدركه بالبداهة.
والعقاد يدعو القارئ إلى النظر إلى هذا البيت لشوقى:
دقات قلب المرء قائلة له:
إن الحياة دقائق وثوانى
فهذا البيت ـ فيما يقول ـ هو «بيت القصيد» فى رأى عشاق شوقى، فما هو المعنى الذى يشتمل عليه ؟
يجيب بأن معناه أن السنة أو المائة سنة التى قد يعيشها الإنسان مؤلفة من دقائق وثوانى، وهذا هو جوهر البيت. فهل إذا قال قائل: «إن اليوم أربع وعشرون ساعة، والساعة ستون دقيقة» يكون فى عرف المعجبين بشوقى قد أتى بالحكمة الرائعة ؟! ولكنهم يقولون: «إنه قرن بين دقات القلب ودقات الساعة، وهذه هى البراعة التى تعجبنا، وبها هدانا إلى واجب الضن بالحياة».
وهنا ـ فيما يعقب ـ يبدو للنظر قصر المسافة التى يذهبون إليها فى إعجابهم، وأن بلاغتهم المزورة لا تتعلق بالحقائق الجوهرية والمعانى النفسية، بل بمشابهات الحس العارضة، وإلاَّ فلو قورن بين الساعة والقلب أيام أن كان الوقت يقاس بالساعات المائية أو الرملية، فهل يفهم لهذه المقارنة معنى، حيث لا توجد «دقات» للساعات المائية وللساعات الرملية ؟ وهل لدقات القلب الخالدة علاقة حقيقية بدقات الدقائق والثوانى يستنبط منها الإنسان سر الحياة ؟! وهل بهذه العوارض يقدر الأحياء نفاسة حياتهم ؟ وهل يتوقف المعنى الذى ينظم فى الحياة الإنسانية على علاقة سطحية باختراع طارئ ؟
لقد ذكر ـ فيما يقول ـ فى نقده لرثاء شوقى لمحمد فريد: «إن الحقائق الخالدة لا تتعلق بلفظ أو بلغة لأنها حقائق الإنسانية بأسرها قديمها وحديثها عربيها وأعجميها، ونعيد هذه الكلمات هنا، ونزيد عليها أن الحقائق الخالدة لا تتعلق بفترة محدودة، ولا تقوم على مشابهة زائلة».
ولا يختلف أحد من النقاد على وجوب عدم الانصراف إلى الأعراض دون الجوهر، ولكن قد يقع الاختلاف فى التطبيق، والدكتور مندور وإن ساق فى إطار التأييد والإعجاب بكلمات العقاد أن الشاعر يجب أن يشعر بجوهر الأشياء، إلاَّ أنه يرى أن الأستاذ العقاد تعسف فى التطبيق فى نقده لشعر شوقى، وأن المقاييس الفرعية التى استخدمها الأستاذ العقاد فى نقد معانى شوقى، منها ما تحدث عنه نقاد العرب القدماء مثل «الإحالة» أى المبالغة فى المعانى مبالغة مسرفة، فقد التفت إلى ذلك نقاد العرب القدماء كالآمدى والجرجانى وغيرهما، وإن اختلفوا بعد ذلك فى منهج التطبيق.. فرأى بعضهم إحالـة فيما لا إحالة فيه وإن يكن الأستاذ العقاد قد أخذ يفرع فى ضروب الإحالة فيقول: «أما الإحالة فهى فساد المعنى وهى ضروب: فمنها الاعتساف والشطط، ومنها المبالغة ومخالفة الحقائق، ومنها الخروج بالفكر عن المعقول، أو قلة جدواه وخلو مغزاه». ثم يأخذ بعد ذلك فى ضرب أمثلة لكل هذه الأنواع من الإحالة فى شعر شوقى، والكثير منها جدير بالنقد وإن لم يخل عدد منها من التعسف، والقسر.
ويمضى الدكتور مندور فى اختلافه مع الأستاذ العقاد فيقول: «وباستطاعتنا أن نبرز نفس الملاحظات على المقياس الذى سماه العقاد «الولوع بالأعراض دون الجوهر» فالعقاد يريد أن يأخذ الشاعر بالغوص وراء المعانى الخفية. وإغفال المظاهر الحسية للأشياء والطبائع والخطأ هنا يأتى ـ كالعادة ـ من التعميم. فما يطالب به العقاد قد يتمشى مع شعر الفكرة، ولكنه يتجاهل مدرسة كبيرة فى الشعر كمدرسة «البرناسيين» التى كانت ترى أن الشعر تجسيم ورسم ناطق.. وكل ذلك فضلاً على أننا لا نعلم على وجه التحقيق تلك الجواهر التى يقصد إليها العقاد، وهل يريد أن يحيل الشعر إلى فلسفة وميتافزيقا على نحو ما حاول أن يقول فى مقدمة ديوانه «بعد الأعاصير» الصادر سنة 1950 حيث نراه يدافع عن شعر الفكرة فى حماس بالغ، مع أن زميله عبد الرحمن شكرى كان قد حل هذه القضية، وفض الجدل بطريق إنشائى رائع عندما تحول الشعر الفكرة أو الأفكار بين يديه إلى تأمل وجدانى. فشكرى وإن يكن فكرى النزعة إلا أنه لم يحاول أ، يودع قصائده الرائعة جواهر أو حقائق، وإنما أودعها انفعالات وجدانه الحى العميق إزاء حقائق الحياة وجواهرها على نحو ما فعل فى القصيدة التى يخاطب فيها المجهول».
rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com