مثل العراق طوال القرن العشرين.. أحد العوامل الأساسية فى التأثير على مستقبل المنظومة العربية، ذلك منذ أن توصّل عقب ثمانى سنوات من استحداث ترسيم حدوده 1921.. وبالتزامن مع استقلال “مديرياته” عن دولة الخلافة العثمانية، نحو الاتفاق مع إيران 1929 لإنهاء منازعاتهم الموغلة فى الزمن عبر التاريخ، لتصل ربما إلى عهود ما قبل الميلاد، ولتتجدد طموحات العراق الحديث إقليميًّا من واقع تمركزه عند مداخل الجبهة الشرقية العربية، فيما بقيت إيران على سابق أضغاث أحلامها لتجديد إمبراطوريتها- كما كانت عبر التاريخ- عاصمتها بغداد (العباسية) مركزًا لحضارتها وهويتها، فى حين يتجه العراق إلى تقوية شوكته فى الأربعينيات من خلال الدعوة إلى تشكيل تجمع جيوسياسى لدول ما يسمى “الهلال الخصيب”، وإن لم تشهد الفكرة النجاح إلا أنها أوحت ببناء جامعة الدول العربية 1945 سرعان ما تزعّم عنها العراق 1954 بالاتجاه إلى الدخول فى أحلاف عسكرية سياسية مع دول الغرب (حلف بغداد- السنتو..)، ما أحدث شرخًا فى علاقاته العربية، خاصة مع مصر والسعودية..، ذلك قبل قيام ثورة العراق 1958، وليدخل من بعد حقبته الملكية (37 عامًا) فى مرحلة انتقالية من عدم اليقين بين تياراته السياسية والأيديولوجية، انتهت بعد عقد كامل بانفراد حزب “البعث” بالحكم فى العام 1968، وإلى أن تم اجتثاثه فى العام 2003 عقب الغزو الأميركى لأراضيه، كنتيجة طبيعية لإثخان العراق قدراته فى الحرب مع إيران طوال الثمانينيات وإلى حرب تحرير الكويت من بعد غزوه لها 1990، وحصره من ثم طوال التسعينيات فى إطار النظرية الأميركية لـ”الاحتواء المزدوج” مع إيران، وليدخل منذ مطلع القرن الجديد واقعًا سياسيًّا جديدًا ما بين السندان الأميركى والمطرقة الإيرانية، مع تسويح الجيش العراقي، وتفكيكه، وإلى وقوع البلاد ومؤسساتها فى زمن اللادولة، تجوب فى أرجائها مختلف المنظمات (الجهادية)، القاعدة وداعش.. إلخ، فضلًا عن الجيوش الصغيرة، وقضاتها الميدانيين، فيما تتصارع الخرائط الانتخابية والطائفية والعِرقية فى دولة شبه فاشلة طبقًا لمجموعة مؤشرات (..)، وكضحية لترسيمها الصندوقى منذ مائة عام على قيم متناقضة ما بين الحضارة والبداوة فى وقت واحد، ما بات يهدد بعد أقل من عقدين على الغزو الأميركى بنشوب حرب أهلية، ألجأت الجميع اضطرارًا فى مايو 2020، لتفاديها، إلى الموافقة على “مصطفى الكاظمي” رئيسًا للحكومة، وهو الذى لطالما تمسَّك بدور العراق العربي، وكشخصية وسطية معروف عنها الكفاءة والاستقلالية، إذ يسعى إلى تجنيب كلٍّ من الأميركيين والإيرانيين تصفية حساباتهم فى العراق، كما إلى خوضه فى الداخل حربًا مع عدة قوى فى آن واحد (..)، أما فى الخارج فإنه تمكن من تأسيس علاقات متوازنة مع واشنطن التى زارها مرتين خلال عام مع إدارتين مختلفتين، سبقهما بزيارته إلى طهران، كذلك فإن علاقاته بدول المنطقة بدت جيدة من السعودية إلى مصر والأردن وسوريا.. إلخ، فيما هو على أبواب انتخابات قد تجرى فى أكتوبر المقبل، فرصة نجاحه فيها جيدة، خاصة فى إطار الدعوة التى وجهها إلى مؤتمر “قمة دول الجوار الإقليمى” التى سوف تنعقد فى بغداد نهاية أغسطس الحالي، يحضره قادة دوليون، من المأمول أن تضع العراق على طريق جديد.. ولا سيما إذا أجريت الانتخابات المرتقبة فى ظل رقابة دولية فاعلة، من المفترض أن تأتى نتائجها امتدادًا لاستياء شعبى متزايد منذ اندلاع ثورة 2019ضد الهيمنة الإيرانية المتغولة فى العراق، وحيث الأمل معقود على جهود “الكاظمى” فى الداخل وعبر الصعيد الخارجي، لأن يعبر بالعراق حبلًا مشدودًا فوق نيران متأججة، إما أن يعيده نحو نقطة التقاء عربية، أو إلى الافتراق عنها.
شريف عطية
7:36 ص, الخميس, 26 أغسطس 21
End of current post