تبدو الصين منذ ثورتها 1949 وكأنها حديثة العهد بإدارة العلاقات الخارجية بالمعنى المفهوم من بعد الحرب العالمية الثانية، إذ كانت علاقة بكين- لعقود طويلة- بالعالم الخارجى أشبه بعلاقة السيد بأتباعه من «البرابرة الأجانب»، حسب تعبير القصر الإمبراطورى آنذاك، ذلك قبل أن يقضى الضغط الغربى فى القرن 19 على هذه العزلة “التى لم يعرف التاريخ الصينى خلالها وحتى العام 1949 إلا سنوات قليلة استطاعت فيها الحكومة المركزية أن تتولى وحدها العلاقات الخارجية للبلاد، حيث كان من أبرز ملامحها، ولعقدين متتاليين في أعقاب الثورة الشعبية، تلك الخصومة مع الولايات المتحدة قبل إنهائها فى عهد الرئيس «نيكسون»، وليستكمل خلفه «كارتر» الاعتراف والتبادل الدبلوماسى الكامل بينهما، تراوحت منذئذ ما بين الانتقاد إلى تبنّي نهج التنافس والتعاون، خاصة مع الصعود الاقتصادى الصينى (هسياو دنج) عشية الثمانينيات.. وإلى أن استجابت الصين للدعوة الأميركية، وبدعمها، خلال التسيعينيات لكى تصبح عضوًا فى منظمة التجارة العالمية، ومن ثم نحو الانفتاح السياسى والاقتصادى على العالم ذلك قبل أن يعتبرها كل من الرئيسين الأميركيين، ترامب- بايدن، وأركان إدارتيهما، فى عشية ومطلع العشرينيات من القرن الحالي.. بمثابة «أكبر تحدّ إستراتيجى للولايات المتحدة فى الثلاثين عامًا المقبلة»، خاصة حال استطاعت الصين تقليص الفجوة العسكرية والاقتصادية بينهما، وذلك رغم “اشتراكهما فى مصالح متداخلة تخيم على مصيرهما، بحسب تعبير الرئيس الصينى «شى»، «ما يدفعهما للبناء معًا نموذجًا جديدًا للعلاقات بين القوى الكبرى»، ومن ثم إلى خيار التعاون والتفاوض بديلًا لما هو قائم من صراع بينهما منذ بداية النصف الثانى للقرن العشرين، لولا هواجس القلق الأميركى من فقدان واحديتها القطبية، ما يحول بينهما والتصرف وفق قواعد المنافسة بديلًا عن احتمالية نشوب الحرب لو طالت الأزمة الأوكرانية من دون التوصل إلى تسوية سياسية بين الغرب، ومع روسيا التى لها تحالفات متنوعة مع الصين، ما يدفعهما للعمل معا ضد الولايات المتحدة، الأمر الذى يدعو وزير الخارجية الأميركى «بلينكن» لأن يكرر فى حوار مع مجلة «فورين أفيرز» مطلع يونيو الحالى.. ما سبق له التصريح به فى الكونجرس الأميركى من قبل.. عن أن «غزو روسيا لأوكرانيا يمثل أحد التحديات الصينية للنظام العالمى القائم على قواعدها.. كأخطر تحدٍّ طويل الأجل»، ما يتطلب- بحسبه- تشكيل البيئة الإستراتيجية حول الصين لتعزيز مدى الإيجابية لنظام دولى مفتوح وشامل، وحيث من اللافت أن يعقب حديث «بلينكن» عن هذا النظام العالمى الشامل والمفتوح.. ما سبق أن صرح به قبل أيام قليلة «هنرى كيسنجر» عن ضم كل من روسيا والصين لنظام تعددى، إلا أن تأكيد رئيس الدبلوماسية الأميركية عن مواصلة العمل مع حلفاء واشنطن لتهيئة بيئة تشجع بكين على التحرك فى هذا السبيل، إنما قد يعنى ذلك، إن صدقت نواياه، وما لم يكن من ورائها خدعة دبلوماسية أميركية لتشجيع بكين فى الابتعاد إستراتيجيًّا عن موسكو، وعلى غرار الشرخ بين علاقتيهما الذي أحدثته واشنطن مطلع السبعينيات، ربما، إذ يستطرد وزير الخارجية الأميركى فى حواره المثير عن «اختلاف عميق» مع الصين بشأن السعى لبناء شكل النظام الدولى الجديد(..) وهو نظام ليبرالى للغاية، مخالفًا للترتيب «غير الليبرالى» الذى تطلبه الصين، ذلك بوصفه «اختلافًا بينهما فى أمر أساسى»، ما قد يعنى تحايلًا أميركيًّا لشيطنة الصين عن طريق غزوها من الداخل (حقوق الإنسان)، الأمر الذى يتوازى مع ضخ واشنطن أسلحة هائلة إلى «تايوان»، خرقًا لوعدها بكين بـ«صين واحدة»، وذلك على غرار الكمين الأوكرانى الذى نصبته الولايات المتحدة لاستنزاف روسيا اقتصاديًّا وعسكريًّا، كما سبق أن حدث للاتحاد السوفيتى (السابق) فى أفغانستان قبل شيطنته من خلال تصدير «قلق الأيديولوجيا» لغزوه من الداخل تمهيدًا لتفكيكه مطلع التسعينيات، إلا سرعان ما ردت الخارجية الصينية على تصريحات «بلينكن» الغامضة.. لتدعو واشنطن إلى «التفكير فى ماهية النظام الدولى الذى يريده الناس»، إذ «يريدون بديلًا عن الهيمنة التى تقودها الولايات المتحدة، ومن غير احتواء لا أساس له من الصحة للحقوق المشروعة للدول الأخرى»، وليستطرد الناطق باسم الخارجية الصينية فى اتهام أميركا بـ«الهيمنة والتنمر»، وفى مطالبتها بالتوقف عن إضاعة الوقت، وللتركيز على إصلاح أطنان من مشكلاتها الداخلية، وفى لعب دور نشط للسلام والتنمية فى العالم، الأمر الذى يعنى أن الصين قصة لم تنته بعد.
شريف عطية
7:11 ص, الأحد, 5 يونيو 22
End of current post