ومن التجارب فى تاريخ الشعر العربى، يبين فيما يورد الأستاذ العقاد أن قواعد النظم عندنا مواتية للشاعر فى كل تصرف يحتاجه تطور المعانى والتعبيرات فى مختلف البيئات والأزمنة، وأنه من واقع تجاربه يرى أنه لا موجب للفصل بين قواعد النظم وأغراض الشعر فى تجربة من التجارب العربية، منذ نشأت أوائل الأوزان إلى أن بلغت ما بلغته فى منتصف القرن العشرين وقت أن ألقى بهذه المحاضرة.
هذا ولم يبدع الأوروبيون ـ فيما يرى ـ حتى فى شعر المسرحيات الملحنة ـ لم يبدعوا فنًّا من الأناشيد أتم من الموشحة، وأصلح منها للتلحين وحركة الإيقاع.
ويضيف الأستاذ العقاد:
«فإذا ترخص الشاعر الغربى فى القواعد، فأسقط القافية، واختار الوزن الذى يسمونه بالنظم الحر ـ أو النظم الأبيض ـ فجهد ما بلغوا إليه أنهم عادوا إلى الأسطر المتوازية ، أو إلى الاكتفاء بالمقاطع التى تبلغ فى دقتها مبلغ الأسباب والأوتاد والفواصل، وكل أولئك طور من الأطوار التى تخطاها الشعر العربى فى الأزمنة الماضية، أو سبقتهم إليه أمة من الأمم الشرقية، وتوقف بها التطور عنده، لارتباطه بالتقاليد الدينية».
فليس إذن عند الغرب من فنون النظم ـ جديدٌ نأخذه منه فى أبواب التوزين والتنويع.
وليس فى فن النظم جديد نأخذه ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ من الأعاريض الغربية لم تكن عندنا أسسه العريقة فى الشعر العربى.
على أن الأمر يختلف كثيرًا فى الكلام على « الشعر » أو الكلام على الأدب ومدارسه ومذاهبه ودعواته التى تجيش بها الحياة الغربية فى كل حقبة، ولا تتميز منها دعوة واحدة دون أن يتميز لها حكم خاص بالشعر.
وهذه المذاهب الشعرية تعنينا كما تعنيهم، وتمتد بآثارها إلى أقوالهم وأفعالهم كما تمتد إلى أقوالنا وأفعالنا، لأنها طور من أطوار الحياة التى لا تنحصر فى دوائر الفن ولا فى أدوار الثقافة على إطلاقها.
وهذه الدعوات أوسع نطاقًا ـ فيما يقول ـ من أن يُحاط بها فى فعال، ولكنها تقترب فى الحصر المستطاع، إذا ما جمعت فى أدوارها الإنسانية العامة.
ومن المعلوم أن « أبقراط » حصر الطبائع الجسدية فى أربعة أمزجة: الدموى، والصفراوى، والبلغمى، والسوداوى، ثم أضاف إليها العلامة « بافلوف » بعد تقسيم خصائص الأجسام بين الهرمونات وعائلات الدم وودائع الوعى الباطن والوعى الظاهر ـ أضاف أقسامًا لا تعد ولا تحصى.
ونحن على هذه الوتيرة ـ فيما يستطرد الأستاذ العقاد ـ نقسم الذوق الفنى فى الإنسان إلى أقسامه الخالدة، حين نقول إن الناس كانوا منذ فطروا: واقعيين وخياليين، ومحافظين على القديم وطلابًا للجديد.
وهو يرى من تاريخ الأمم الغربية منذ ملكت حرية التفكير، أنها دارت دورتها بين مذاهب الأدب خلال القرون الثلاثة الأخيرة، ونزعت فى دعواتها المتعاقبة كل نزعة طبيعية تستلزمها أطوار الحياة بعد عصر الجمود والتقليد.
فى الفترة الأولى لليقظة، نزعوا إلى استقلال «الشخصية الإنسانية» فى وجه التقاليد والقيود العتيقة، والأحكام التى تطاع بغير فهم، ثم تبعت ذلك نزعة الإبداع، ومن الطبيعى أن ينتهى هذا الإبداع من كل جانب على غير هدى متفق عليه ـ أن ينتهى إلى شىء من الفوضى والشرود، يُستحب معه التوقف إلى حين.
وهنا ظهرت فى الغرب دعوة العودة إلى الإتباع والاطراد، على نحو جديد يناسب مطالب الزمن.
وطبيعى بحكم اختلاف الطبائع، أن يحدث أثره بين أنصار الواقع وأنصار الخيال.. أى بين الواقعيين والخياليين والمثاليين.
وقد يظهر هذا الاختلاف فى صورة أخرى بين الطبيعيين وبين أنصار الفن للفن.
ورغم تقارب الواقعيين والطبيعيين لأنهم جميعًا من أنصار الواقع، انفرد الواقعيون بمحاربة النزعات الخيالية، وانفرد الطبيعيون بمحاربة النزعات الصناعية القائمة على الإغراق فى التزويق والتنسيق.
وإذا اقترنت هذه المذاهب جميعًا فى عصر من عصور النهضة العلمية، فإن الانقسام بينها يؤول ـ فى هذه الحالة ـ إلى قسمين: قسم تغلب عليه الصبغة العلمية ، وقسم تغلب عليه الصبغة الفنية.
ويتسع كل قسم منها لكثير من الآراء والأساليب .
rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com