يستطرد الأستاذ «مورى» إلى الشعر الفرنسى فيقول: «إن اللغة الفرنسية حين رجع فيها الوزن إلى مجرد إحصاء للمقاطع، وأصبحت المقاطع بين مطولة وصامته.. نشأت فيها من أجل ذلك حاجة ماسة إلى القافية، فصارت فى شعرها ضرورة لا محيص عنها، ودعا الأمر إلى تقطيع البيت أجزاء صغيرة ليفهم معناه».
ومن أسباب الاكتفاء بالوزن دون القافية فى أشعار الغربيين، سبب لم يذكره الأستاذ «مورى»، هو فيما قال الأستاذ العقاد غناء الجماعة للشعر الغربى المحفوظ كما تقدم.
فحيث شاعت أناشيد الجماعة قل الاعتماد على القافية، وكثر الاعتماد على حركات الإيقاع، ولو لم تكن متناسقة الوزن على نمط محدود، ذلك لأن الغناء بالكلام المنثور ممكن مع توازن الفواصل وموازارة السطور.
ويضيف الأستاذ العقاد أن أناشيد الجماعة قد شاعت بين العبريين لأنهم قبيلة متنقلة تحمل تابوتها فى رحلتها، وتنشد الدعوات معًا فى خلواتها الجامعة، وفى هذه الدعوات ترانيم على وقع الدفوف كما جاء الإصحاح الخامس عشر من سفر الخروج : «أخذت مريم النبية الدف بيدها، وخرجت جميع النساء وراءها بدفوف ورقص. وأجابتهم مريم: رنموا للرب، فإنه قد تعظم..» وكذلك شاعت بين اليونان أغانى المسرح التى ترجع فى نشأتها إلى الشعائر الدينية، ثم انتقلت منها فيما يقول إلى الأمم الأوربية.
ومما يؤيد الصلة بين غناء الفرد والتزام القافية، أن شعراء الأمم الغربية الذين ينشدون بأنفسهم قصائدهم للمستمعين قد لجأوا إلى القافية، والتزموا فى مراعاتها أحيانًا ما يلتزمه عندنا شعراء الموشحات.
أما البيئة العربية فلم تكن فيها قبل الإسلام صلوات جامعة منتظمة بمواعيدها ومحفوظاتها، وإنما كان الحداء على وقع خطوات الإبل هو الغناء الذى يصاحب انشاد الشعر على بساطةٍ كأنها بساطة الترتيل.
لهذا استقل النظم فى العربية بحقه فى الصنعة، لأن هذه الصنعة لازمة لتمييزه مع الغناء وبدونه، ومن ثم انتظمت قوافيه وانتظم ترتيله.
ويضيف الأستاذ العقاد، أننا إذا التمسنا مدخلاً لفن الحركة الموقعة مع الحداء، فهناك إيقاع واحد نتابعه فى خطوات الإبل وفى خطوات الهرولة التى تصاحبها على القدم.
وإلى هذا الإيقاع يرجع وزن الرجز فيما يرى على قصد وغير قصد، مما يدل على تمكن العادة وعلى أصالتها فى الحياة البدوية :
أنا النبى لا كذب
أنا ابن عبد المطلب
هل أنت إلاَّ أصبع دميت
وفى سبيل الله ما لقيت
وقد تكون حركة الهرولة ملحوظة فيما يضيف فى الطواف بالكعبة وما يصاحبه من دعاء.
وهذه المرددات الفردية هى التى ميزت النظم العربى باستقلال فنه ووضوح قافيته وترتيله.
ولو وجدت فى الجاهلية العربية صلوات جامعة محفوظة، لوجدت فيها القصائد التى تمثل الحياة الدينية، وحياتهم الاجتماعية.. إما من أناشيد الصلاة كما عرفها العبرانيون، أو من أناشيد المسرح كما عرفها اليونان.
وهذا فيما يرى سبب من أسباب تلك الظاهرة النادرة التى ظهرت فى القصيدة العربية، وكانت نادرة بين الأمم السامية والأمم الآرية على السواء.
أما السبب الآخر، فهو أصالة الوزن فى تركيب اللغة، فالمصدر فيها له أوزان، وللمشتقات أوزان، ولأبواب الفعل قوام التفعيلة أوزان، وقوام الاختلاف بين المعنى والمعنى حركة على كل حرف من حروف الكلمة تتبدل بها دلالة الفعل.
«وهذه أصالة فى موضع الوزن من المفردات والتراكيب لا يستغرب معها أن يكون للوزن شأنه فى شعر هذه اللغة، وأن يكون شأنها فى نظم أشعارها على خلاف المعهود فى منظومات الأمم الأخرى، ولو صرفنا النظر عن أثر الإنشاد الفردى فى تثبيت القافية واستقلال فن العروض عن فن الغناء فى القصائد العربية.
«نعم إن اللغات السامية تجرى على قواعد الاشتقاق وتوليد الأسماء من الأفعال، ولكن المقابلة بين هذه اللغات فى أقسام مشتقاتها وتفريغ الكلمات من جذورها تدل على تمام التطور فى قواعد الأوزان العربية، وعلى نقص هذه القواعد أو التباسها فى أخواتها السامية، بل تدل فى باب الإعراب خاصة على تفصيل فى العربية يقابله الإجمال أو الإهمال فى أخواتها ؛ وفى غيرها من اللغات الآرية التى دخلها شىء من الإعراب».
rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com