الحرب حيال الديمقراطية لتجنب حرب بلا نصر إزاء حافة الهاوية

الحرب حيال الديمقراطية لتجنب حرب بلا نصر إزاء حافة الهاوية
شريف عطية

شريف عطية

7:22 ص, الأحد, 12 ديسمبر 21

يثور الجدل حيال صعود وانهيار القوى الكبرى على مر العصور، ما بين السلام «حلم الحكماء».. وبين الحرب “تاريخ البشرية”، سواء عبر الأزمان القديمة منذ العام 431 ق. م حتى سياسات القرن 16 (الأغريق- روما- فارس- بيزنطة- الخلافة الأموية).. أو سواء عبر العصور الحديثة منذ العام 1613 – 1815 – 1914 – 1939.. (حرب الثلاثين- هولندا الكبرى- الحروب النابوليونية- بريطانيا العظمى- الحربان العالميتان الأولى والثانية)، ذلك قبل صعود الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتى (السابق) إلى صدارة النظام العالمى، فيما خرجت كل من الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية من الحرب 1945 تجرّان وراءهما أذيال الخيبة والفشل عن مستعمراتهما حول العالم، وليتخذ الصراع الأيديولوجى مكانه فى الحرب الباردة بين الشرق والغرب 1947 – 1991، قبل انفراد الأحادية الأميركية منذئذ بزعامة العالم، مرورًا بحربى الخليج الثانية1991 .. والثالثة 2003 إلى الحرب فى يوغسلافيا عشية الألفية الثالثة الميلادية.. ومنها إلى ما يسمى الحرب على الإرهاب فى أفغانستان والعراق، ناهيك عن الصومال وسوريا وباكستان.. وفى الامتداد إلى نحو 85 دولة؛ من بينها اليمن وليبيا ومالى والنيجر وكينيا والفلبين.. وما إليها من حروب مختلفة اعتبرتها الإدارة الأميركية منذ2006 .. «ضرورية ضد عدو مصمم على خوضها لنحو أربعين عامًا مقبلة»، وبوصفها «حربًا قائمة منذ آلاف السنين»- لا تزال- من المهم الانتباه لها”، لكن سرعان ما أصبح صعود الصين إلى نادى القوى العظمى.. عاملًا رئيسيًّا فى اتجاه الولايات المتحدة لمواجهتها (مع روسيا) «كعدوتين»، ومن خلال بناء حلف أنجلوساكسونى 2021.. يضمها مع بريطانيا وأستراليا وكندا، ربما على غرار «اللجنة الثلاثية»، التى تشكلت عشية السبعينات من القرن الماضى من دول أميركا الشمالية- غرب أوروبا- اليابان، “لحصار الاتحاد السوفيتى والشيوعية الدولية خلال الثمانينات كحد أدنى، أو القضاء عليها نهائيًّا كحد أقصى”، وهى التوصية التى تم تنفيذها عبر سبل عديدة منها (على سبيل المثال لا الحصر) تصدير «قلق الأيديولوجيا» إلى دول المعسكر الشيوعى.. إلخ، ذلك فيما يتجه أطراف التحالف الحديث بين الدول الأنجلوساكسونية (أوكوس) على سبيل المثال إلى مقاطعة الأوليمبياد المقرر أن تنظمه الصين فى فبراير 2022، ما قد يشير وإلى غيره من سلوكيات متهافتة إلى عمق المأزق الذى يتعرض له «العصر الأميركى» بشكل سريع منذ العقدين التاليين لهجمات سبتمبر 2001، كمنعطف تاريخى لتحول عناصر القوة عن الغرب فى اتجاه الشرق الآسيوى الذى من المتوقع له- بحسب مراقبين- قيادة العالم فى 2030.

إلى ذلك وفى سياقه، لم يمض العام الأول على رئاسة «بايدن» للبيت الأبيض، إلا وبرزت مجددًا الحالة الأوكرانية كأزمة منذ 2014، لتمثل اليوم تهديدًا بمواجهة عسكرية.. كانت موضوع النقاش الرئيسى فى القمة الهاتفية الافتراضية بين الرئيسين الأميركى والروسى فى ديسمبر الحالى، لنزع فتيلها المتفجر، ذلك فى إطار سعيهما لتنشيط العلاقات بينهما بعض الشيء بعيدًا عن حافة الهاوية، ومن خلال محادثات وصفت بأنها «عالية المخاطر».. تشمل مناقشة مسائل الاستقرار الإستراتيجى، إضافة إلى سبل العمل المشترك بشأن قضايا إقليمية، خاصة ما يتصل بالشرق الأوسط «الأوسع»، من إيران إلى أفغانستان، وما إليهما من نقاط أخرى ساخنة، ناهيك عن بحث مطالب روسيا بضمانات ملزمة قانونًا لعدم امتداد حلف «الناتو» شرقًا نحو الفضاء السوفيتى السابق، بما فيها أوكرانيا، الأمر الذى كان محل مشاورات مسبقة بين “بايدن” وحلفاء أوروبيين عشية محادثاته مع «بوتين»، وفى أعقابها، فيما لا يقلل مدير الاستخبارات الأميركية CIA فى 6 ديسمبر الحالى.. من “شهية بوتين للمخاطرة بشأن أوكرانيا”، إذ إن “الجيش الروسى يتمركز فى مواقع حدودية يمكنه التحرك فيها بطريقة كاسحة للغاية”، ذلك فى الوقت الذى تنحسر فيه شعبية الرئيس الأميركى، وهيبته، بشكل مطرد فى الأشهر الأخيرة.. مع انسحابه المهين غير الإنسانى من أفغانستان، وبحيث تتلاعب به مواقف إيران المتشددة فى محادثات “فيينا” بشأن برنامجها النووى، الأمر الذى تستغله إسرائيل لإقناع الولايات المتحدة، مع حلفاء لهما داخل الإقليم، بتوجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية، ما قد يهدد بردود أفعال ربما تؤدى إلى حرب أكثر اتساعًا على الصعيد الإقليمى والدولى، خاصة فى ضوء ما تواجهه الإدارة الأميركية من تحديات إضافية فى الداخل من جانب «ترامب»، وخصوم آخرين، قد لا يجد إزاءها «بايدن» من مفر للإفلات منها غير المغامرة بالدخول فى مواجهة عسكرية غير مأمونة العواقب، لربما ترمم ما سبق أن سببته سياسات “ترامب” المزاجية الغرائبية خلال أربع سنوات خلت من تمزق النسيج الاجتماعى الأميركى، وأيضًا من اضطرابات حيال التحركات الخارجية، بسيان، ومن ثم إلى صعود التضخم الأميركى لأعلى مستوياته منذ 1983، مع تراجع المكانة الدولية الأميركية، ما يدعو فى سبيل استعادتها، بجانب استضافة قمة الديمقراطية، إلى خطة “بايدن” التى فاجأت الجميع لمعالجة «التغيير المناخى» ما يمثل إنهاء حقبة الوقود الأحفورى، ذلك فى إطار اتباع سبل من التصرفات تتبنى تكتيك الصدمة (المستخدم فى المعارك الحربية)، ما قد يبعث- بحسب مراقبين- إشارة قاطعة بشأن نهاية عهد وبداية آخر، لإعادة البناء بشكل أفضل BUILD BACK BETTER، كما إلى السعى فى إطار تنافسها مع روسيا والصين.. وفى العمل على تشجيع التغيير القيمى الإيجابى نحو الديمقراطية (الغربية) حيث تستضيف واشنطن القمة بشأنها 9 ديسمبر الحالى بحضور مائة دولة، ذلك من واقع إصرارها على اعتبار الديمقراطية وحقوق الإنسان موجهين بالدرجة الأولى ضد النظام القيمى اللاليبرالى فى الصين وروسيا، ما يصب فى صالح انتشار الديمقراطية الليبرالية الغربية حول العالم، وبخاصة فى منطقة الشرق الأوسط التى لم يدع منها لحضور “قمة الديمقراطية” سوى دولتين فقط هما العراق وإسرائيل، ذلك للتعاون بين الديمقراطيات للتعلم معًا، وفى الوقوف “جنبًا إلى جنب” فى مواجهة الاستبداد والفساد وتعزيز احترام حقوق الإنسان، سواء فى الداخل أو الخارج، ذلك فيما ترى الصين ونظم بيروقراطية أخرى أن الديمقراطية الغربية بمثابة من أسلحة الدمار الشامل، إذ تستخدمها أميركا للتدخل فى الدول الأخرى، وفى إثارة الثورات الملونة، وإلى تأجيج الانقسامات الأيديولوجية، إلا أنها من وجهة نظر الأحادية الأميركية تؤكد قيم الديمقراطيات الغربية التى أفرزت تراثًا حضاريًّا طويلًا وصراعًا فكريًّا امتد لقرون، مما أتاح للغرب أن يهيمن طويلًا على زعامة العالم، لربما يكون سبيلها السوسيولوجى حاليًّا للفوز فى حرب حيال الديمقراطية.. تتجنب حربًا بلا نصر إزاء حافة الهاوية.