إذا كان العلم على سبيل اليقين ـ قليل بالنسبة لعقيدة شكسبير، فإن العلم بطبيعة الرجل وتكوين مزاجه كثير فيما يبدى الأستاذ العقاد، وخلاصة القول ـ فيما يرى ـ أنه رجل يغلب فيه مزاج الحكيم المتأمل على مزاج الثائر الغيور، وشفيعه فى ذلك ـ فضلاً عن وجدانه وضميره ـ أنه ينظر إلى جميع الجوانب ولا يرى بينها موقع الفصل بين الخير والشر، ولا قضية الحياة والموت فى مشكلات الماضى والحاضر، ومن ورائها مشكلات الغد المجهول.
هذا إلى أن الفضل لأحد الجوانب على الآخر ـ لا يطرد على إطلاقه فى كل قضية وفى كل وقت. فرب قضية تكون فيها الحكمة جبنًا لا يغتفر، ورب قضية فى آونة أخرى تكون فيها الحكمة فريضة.
ان موقف شكسبير بين الجوانب ـ موقف المؤمن الذى لا تأويه حظيرة من حظائرها. وكان يؤمن بعظمة الله وعظمة الكون، وكان يأخذ على كل نحلة من نحل العصر نقاط الضعف فيها، ولا يبرئ إحداها من سوء المغبة أو ينوط حسن المغبة بسواها.
إنه قد صنع فى حياته ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ ما كان عليه أن يصنعه لو عاد إلى الحياة بعد ثلاثمائة سنة، وهذه المئات الثلاث من دورات الفلك هى ـ فيما يرى ـ مسافة السبق بين وعى العبقرية الخالدة ووعى السالف العابر الذى يغمره غبار المعركة.
ولا يستبعد أن تكون صفة العزوف قد ساعدته فى حياة الفكر كما ساعدته فى أسباب المعيشة والتعامل. وذلك يسر له أن يقف موقف الحيدة بين أبطاله وشخوص رواياته، فاستطاع أن يعطى كلاًّ منهم وجهة النظر التى تناسبه فى الرواية.
هذا والعزوف صفة لا يُظن لأول وهلة أنها تساعد صاحبها على النجاح، إلاَّ أن العزوف فى نفس متعددة الجوانب غير العزوف فى النفوس الضيقة التى يستوعبها جانبها المحدود فلا تتسع لغيره.
على أنه أيًّا كان أثر هذه الصفة فى نجاحه بين زملائه ؛ فلا ريب أنها أكسبته ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ ذلك الصمت الرصين الذى ضمن له الكرامة فى كل بيئة.
وكرامة الطبع، هى التى خولته كرامة اللقب. لقب السيد والجنتلمان، تعبيرًا عن أنه سيد بأدبه قبل أن يكون سيدًا بلقبه. وقد تيسر له بذلك أن يدرك اللقب الذى لا يدركه كل من سعى إليه، فقد كان نبلاء عصره يقربونه ويستقبلونه بالترحيب والتوقير، وارتفعت منزلته فى بلاط الملكة إليصابات فشملته برعاية أكبر من رعاية الفنان المستحسن على المسرح، واقترحت عليه تأليف الأدوار التى تحب أن تراها مجسدة على مسرح القصر، ومنها دور فلستاف فى موقف غرام.
ولم يُعرف فى تاريخ ملوك الإنجليز أن أحدًا منهم كتب بيده خطاب إعجاب إلى ممثل أو مؤلف غير شكسبير. كتب له جيمس الأول خطابًا خاصًّا سطره بيده.
ومن الملحوظ أن شكسبير لم يذكر فى رسائله ولا فى أقواله المحفوظة ـ شيئًا عن حظوته فى البلاط الملكى، ولا عن عطف الملكة إليصابات والملك جيمس الأول عليه، ولكن عُرف ذلك من أبيات للشاعر «بن جونسـون» ـ يتحدث فيها عن بجعة نهر أفون الحلوة التى ترفرف على نهر التيمز. وتروق رفرفتها أعين إليصابات وجيمس.
* * *
تلك فيما يقول الأستاذ العقاد ـ صورة جليّة من تلك الشخصية التى تخرجها والبداهة من الواقع الثابت، ويعتقد أن مترجم شكسبير فى حل من قبول السماع والرواية فيما يطابق تلك الصورة البديهية.
كان أقدم مترجميه «أوبرى yerbua» (-1626 1697م)، وعُرف عنه أنه إذا أولع بترجمة يحبها ـ يتحرى مواطن السؤال عنها، ولا يخطئه التوفيق فى اختيار مراجعها، وكان على ولعٍ شديد بسيرة شكسبير، فبحث عمن عرفوه أو عرفوا أحدًا من أقرانه وعشرائه، وأجدر هؤلاء بالتعويل عليه «بن بيستون Beeston» الممثل المشهور الذى كان زميلاً لشكسبير فى فرقته وجليسًا له فى أوقات فراغه. وجملة ما رواه أوبرى عن صفاته وعاداته من هذه المراجع أنهم «كان وسيمًا مليح المنظر، حسن المجالسة جدًّا سريع الخاطر جدًّا، وديعًا ودودًا ظريف الفكاهة، وكان من عادته أن يزور قريته مرة كل عام فى أيام مقامه بلندن، ومن أصحابه المعدودين توماس شدويل Shadweel الممثل الفكاهى النابغ، وهو يذكره فيقول إنهم كان خصب الذهن فياض القريحة يفوق زملاءه من كتاب المسرحيات ولم يكن من عادته أن يمحو سطرًا مما يكتبه.
«ولم يرد فى كلام أوبرى شىء عن عاداته وملاهيه فى غير مجالس المسامرة، ولكن سير والتر رالى Raleigh مترجم شكسبير فى القرن التاسع عشر يعتمد على مسرحيات شكسبير وعلى الذكريات المنقولة فيقول عنه إنه كان يشترك فى رحلات الصيد ويتقن من هذه الرياضة ملاحقة الطرائد واستخدام البزاة.
«ويتوسط بين أوبرى ورالى فى الزمن مترجم معجب بالشاعر كان يتولى رعاية الكنيسة بقرية ستراتفورد من سنة 1662 إلى سنة 1681 ويتتبع أخبار الشاعر من كبراء السن فيها، وذلك هو القس جون وارد Ward جد السيدة سيدون أعظم الممثلات فى أدوار شكسبير، وهو يسرد من تلك الأخبار أشتاتًا متفرقة لا يسندها إلى مرجع معروف ويختمها بقوله: «إن شكسبير ودرايتون وبن جونسون اجتمعوا فى مجلس طرب وأكثروا من الشرب على ما يظهر، لأن شكسبير مات بالحمى التى أصابته بعد ذلك»
وليس بغريب فى هذا الخبر أن يشرب شكسبير مع زملائه، فإن ذلك لم يكن بدعًا فى عادات العصر، ولكن الغريب ـ الغير معقول ـ أن يفرط فى معاقرة الخمر حتى يُقضى عليه من جرائها، ويبدو فيما يعقب الأستاذ العقاد ـ أن القس «جوان وارد» عجب أن يقضى الشاعر نحبه فى الثانية والخمسين بغير علة معلومة ولا حادث طارئ، ومن ثم لم يحقق هذه القالة بما تستحق.
rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com