تراث عالمى
يختار العالم شعراءه على مهل، وبقسطاس عادل لا جنف ولا محاباة فيه، وآية الشاعر العالمى متى وجد فى أمة من الأمم ـ أن هذه الأمة لا تستطيع أن تحصره فيها، لأنه استحق «العالمية» بمزاياه الإنسانية المشتركة بين الأمم والأزمنة.
ولهذا يحدث أحيانًا أن يتشيع للشاعر العالمى أناس من غير وطنه على أناس مـن صميم وطنه، وتلك آية من آيات «العالمية» تتمثل فى شكسبير كما تمثلت نظرائه من عباقرة العالم.
● ● ●
على أن هذه الشهرة العالمية لم تتوطد لشكسبير على عجل، فقد مضى أكثر من مائة سنة ـ فيما يورد الأستاذ العقاد ـ قبل أن ينتقل اسمه من جزيرته إلى أرجاء القارة الأوروبية، ثم سرى فيها على مهل، فاختلف مجراه ومجرى السياسة فى دولته اختلافًا ينبئ عن كثير من أسرار العظمة الأدبية.
ومن آيات العالمية أن شهرة شكسبير لم تنحسر فى كل من فرنسا وألمانيا وروسيا التى دخلت فى حروب مع الجزيرة الإنجليزية.
ومن آيات «العالمية» أن يكون لشكسبير ـ الغريب ـ أنصار فى فرنسا يفضلونه على أعلام الشعر والفن فى أمتهم من طراز كورنى وراسين وموليير.
● ● ●
ومن آيات هذه العالمية، أن الأكثر إعجابًا بشكسبير فى ألمانيا، هم كبار أدبائها ومفكريها ونقادها، من أمثال هرد وجيتى وشلجل ولسنج.
وبعد حربين من حروب الحياة والموت بين ألمانيا وانجلترا؛ يحصى الناقد الألمانى ولفجانج كليمين Wolfgang Clemen 4241 عرضًا لروايات شكسبير. ويشير إلى أسبوع خاص أفرد لتلقى الروايات على مسرح الدولة فى «درسدن»، ويذكر أن جماعة شكسبير استأنفت إصدار مجلتها الخاصة بأخباره وبحوثه فصدر منها ثلاثة أعداد من الرابع والثمانين بعد انقطاعها لضرورات الحرب، وعادت الجماعة إلى عقد جلساتها السنوية بمسرح بوشـام Bochum فانتخب لرئاستها الشاعر المؤلف إسكندر شرودر Schroder بعد موت رئيسها السابق فى سنة 1951.
● ● ●
ويضيف الأستاذ العقاد أنه يوم أن نبغ بوشكين رائد المسرح الروسى الحديث كانت دولته ودولة شكسبير قد وقفتا موقف الطرفين المتناجزين من المسألة الشرقية ومسألة الهند والشرق الأقصى. فكان إضعاف إحدى الدولتين وإحباط سياستها فى آسيا وأوروبا هدفًا صريحًا للدولة الأخرى، وكانت روسيا وانجلترا يومئذ كالعدوتين «الطبيعتين» فى عالم الأحياء.
«وفى الحقبة التى استحكم فيها هذا العداء بين الدولتين نشأ بوشكين، وقرأ الأدب الفرنسى واطلع على أدب الأقدمين، ثم درس شكسبير فجعـل وصيتـه الأدبيـة كلمتيـن : «اقرأ شكسبير !…» أنكر دستور الأقدمين ليأخذ بدستوره فى وحدة الحركة دون وحدة الزمن والموقع، وفضل طريقته فى الأحاديث المفردة والهمسات الجانبية على حيل المحدثين التى يظنونها أقرب إلى الطبيعة، وهى فى رأيه أبعد من الطبيعة ومن الذوق السائغ فى فن التمثيل».
«وظل شكسبير «العالمى» إلى ختام عهد القياصرة شقة وسطى يتلاقى فيها المحافظون والثائرون، ثم ذهبت الثورة بعهد القياصرة بعد الحرب العالمية الكبرى ولم تذهب بمكانة شكسبير على المسرح، بل زادته عليها مكانة مثلها فى ساحة الموسيقى والغناء».
«وبعد، فإن روسيا وألمانيا وفرنسا ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ هى الدول الأوروبية الكبرى التى كانت تنافس إنجلترا فى السيادة على القارة خلال القرن الذى استفاضت فيه لشكسبير شهرة عالمية أو شهرة أوروبية، وشأنها فيما نحن بصدده أن العناية فيها بالشاعر الغريب أدل على استقلال الفكرة الإنسانية أو استقلال رسالة العبقرية فى عالم الفكر من نظائر هذه العناية فى الأمم الأخرى. فهى فكرة تتخطى حواجز السياسة وتشق بين الأمم طريقها، فهى غنية عن خطط السياسة ومساعى الحكومات».
«كما أنه ليس فى القارة لغة لم تترجم إليها روايات من شكسبير ولم تسهم فى تمثيله أو إخراجه بنصيب ملحوظ، وقد أصبح الاشتراك فى إحياء هذه العبقرية على صورة من الصور واجبًا يتنافس فيه أبناء الأمم لغير ضرورة محتومة سوى الأنفة من فوات حصتهم فى تلك العبقرية الخالدة.
● ● ●
«وقد وصل شكسبير إلى الأمم الشرقية فى الشرقين الأدنى والأقصى مع المسرح الحديث، وترجمت روايتاه الأوليان إلى اللغة العربية من الفرنسية، وهما روميو وجولييت وهملت، وسميت الأولى بشهداء الغرام».
«ويتوق النقاد الغربيون كثيرًا إلى العلم بأثر شكسبير فى أذهان الشرقيين المتعلمين وغير المتعلمين، ويسألون عن هذا الأثر من قرأوه ومن شهدوا تمثيله فى المسارح الوطنية والمسارح الأوروبية التى تمثله بمختلف اللغات».
وكما ذكر الأستاذ العقاد أعمالاً حازت إعجاب الشرقيين فى الشرق وكانت محلاًّ لتعليق نقاد الغرب، عرض لما يقال فى الشرق نقدًا لبعض أعماله، فأبان رأيه فيها، ملاحظًا أن شكسبير لم يكن يعرف عن الشرق شيئًا من تواريخه أو أحواله أو مواقعه وأمكنته يزيد على القسط الشائع بين أبناء زمنه، مما تناقلوه عن الصليبيين ورواد السياسة، فإن صدق بديهته قد حماه من الخطأ.
«فإذا كان العلم بالشرق علم أحوال وتواريخ فلا خبر من أخباره الصحاح عند شكسبير أصدق من صدق الحس فى استغراب الغرائب وتلوين الروايات المنقولة بصبغة الأساطير، وليس للشرقيين لديه ذخيرة فى التاريخ أو الجغرافية يستعيدونها من رواياته وأشعاره، ولكنه إذا تحدث إلى الناس عن طبيعة الإنسان فحصتهم عنده هى فى تلك الطبيعة الخالدة الشاملة كاملة غير منقوصة».
ولا مشاحة ـ فيما يقول ـ فى اختلاف الأذواق والمشارب، ولكنه اختلاف موكل بالشكل والعرض وليس هو بالاختلاف الذى يتغلغل إلى أعمال الطبيعة وبواطن الحياة، بل هو الاختلاف الذى يطويه الأدب العالمى ويلفه فى ساحته الضافية فوق الحواجز والسدود.
وآخر ما يختم به الأستاذ العقاد كلمته عن «الفن العالمى» أن روايات شكسبير تُنقل إلى اللغة العربية تامة محققة فى عهد استقلال ولم تُنقل على هذا المثال خلال سبعين سنة فى عهد حماية أو احتلال.
وتلك فيما يقول ـ آية «الفكر» الإنسانى فى الآداب العالمية.
(انتهى)
rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com