التعريف بشكسبير (24)

التعريف  بشكسبير (24)
رجائى عطية

رجائى عطية

7:21 ص, الأثنين, 14 أكتوبر 19

يرى الأستاذ العقاد أن الحملة ـ حديثًا ـ على شكسبير؛ تُعزى إلى بواعث بعيدة من تاريخ الأدب وموازين الثقافة.

فهى تغرى إلى نزعة اجتماعية أو سياسية بلغت غايتها من العنف واللجاجة خلال الفترة التى حامت فيها الشكوك حول أصالة الأعمال المنسوبة لشكسبير، وكانت هذه الفترة فترة عراك بين الطبقات على حقوق الحكم وحقوق الانتخاب، وكانت هذه المعركة فى وجه من وجوهها الماثلة للأبصار ـ والبصائر ـ معركة شكسبير دون أو قبل غيره. لأنه إن جاز وهو علم العبقرية الأعلى أن ينبت فى بيئة غير بيئة الحكم والسيادة، فإن ذلك دليل على أن مزايا الفكر وملكات الفهم ليست حكرًا للعلية ولا لطبقات الحكم والسيادة.

وقد تجددت المعركة فى القرن العشرين على نطاق أوسع من نطاقها فى القرن الثامن عشر، بل وكانت لها مسوغات كثيرة من موافقات الأحوال ومجرى الحوادث ومن مضامين الحملة على شكسبير، ومنها أن المتشككين فى نسبة أعماله جعلوا ينتهون إلى نسبتها إلى صاحب لقب كبير بين النبلاء، فلما تبدى ضعف قرائنهم فى إثبات نسبتها إلى اللورد باكون، نسبوها إلى واحدٍ بعد واحد من طبقة النبلاء.

ومنها أن أنصار شكسبير فى أمم القارة الأوروبية؛ كانوا أكثر من أنصاره بين الانجليز، وكان انتصار الأوروبيين لشكسبير يوافق الانتصار للحقوق الاجتماعية أو السياسية التى احتدمت معاركها فى أمم الأوروبيين.

وآية الآيات فى عبقرية شكسبير النادرة، أنها ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ «كانت من سعة الأفق بحيث تنهض منها الحجة لكل طالب حجة فى القضايا المتناقضة، ولاسيما قضايا التنافس أو التفاخر بين الطبقات، وقد بلغ من اتساع هذا الأفق أن يزعم أناس أن شكسبير لم تكن له نزعة خاصة فى مسائل الاجتماع ونزاع الطبقات، وأن يزعم غيرهم أنه صاحب نزعة «أرستقراطية» فى النظر إلى أحوال المجتمع وأحوال الحياة على عمومها، وأن يزعم غير هؤلاء وهؤلاء أنه يأبى هذه النزعة وينزع على نقيضها إلى الثورة وإتهام ذوى السلطان، وكل هؤلاء الزاعمين ممن يسمع لهم رأى فى هذه الأمور، ومن يستندون فى رأيهم إلى وجه جدير بالتأمل والالتفات».

* * *

فالأستاذان الفرنسيان لجوى وكازميان Legouis and Cazamian يقرران فى تاريخهما للآداب الإنجليزية أن شكسبير لم تكن له فلسفة اجتماعية يدين بها ولم تعرف من كتبه نظرة خاصة إلى قضايا الاجتماع.

والناقد الدنماركى جورج براند Brandes، صاحب أشهر موازين النقد فى القارة الأوروبية، ولاسيما نقد شكسبير، يعتقد أن شكسبير ينزع منزع العلية فى آرائه ويسىء الظن بروح الجماعة وعرض بالغوغاء.

أما النرويجى «لورنز إكهورف ـ Lorentz Ekhorf» ـ فيذهب إلى الطرف الآخر، ويرى أن شكسبير كان لسان الطبقة الثالثة، وألف فى تفصيل ذلك كتابًا أبدى فيه أن الشاعر لم ينظر قط فى رواياته نظرة الرضا بالسلطان القائم، وأنه فى حكم الثائر الدائم على كل حالة ينكرها الثائرون ويعملون لتغييرها، ولم يتجاهل «لورنز» تعريض شكسبير بالغوغاء، وإنما عاد إلى تصوير شكسبير فى رواياته وأن تجسيده لأفراد من الدهماء يستشف منه دلائل عطفه الكبير على كل منهم.

وعلى ذلك فإن البحث فى علم يدور حول البحث فى معركة الطبقات، يجد مادته فى شكسبير، فضلاً عن سمو مكانته واتساع أفقه وإحاطته بكل الجوانب.

فلا جرم يخطر على الأفكار المشغولة بالصراع بين الطبقات فى العصر الحديث؛ أن الحملة على شكسبير ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ قد انبعثت كلها فى غرضها الاجتماعى ـ أو السياسى ـ ولم يكن لها باعث من بواعث النقد الأدبى وموازين الشعر والثقافة، وأنه لا سبيل إلى الفصل الحاسم بين الغرضين فى الواقع. ومع ذلك فإن المعركة الاجتماعية ـ ولا ريب ـ قـد كان لها أثرها فى توجيه الأنظار وإثارة الأفكار التى لا تثيرها معارك الأدب الخالص فى جميع الأوقات ولا تجتذبها إليها بغير حافز من حماسة الجدل فى مسائل الاجتماع والسياسة.

وقد سبق إلى الخواطر أن الحملة وليدة الدعوة السياسية لشيوع الظن بأنها صدرت أول مرة فى كتاب رجل مشغول برياضة الملاحة، وهو «جوزيف هامرت» من رجال السلك السياسى؛ حين أورد فى هذا الكتاب (1848) أن سنوات ظهور هذه الرياضة كانت من سنوات الحرج فى تاريخ صراع الطبقات بالقارتين الأوروبية والأمريكية.

إلاَّ أن هذا المؤلف ـ فيما يذكر الأستاذ العقاد ـ لم يكن أول من أثار الشك فى أصالة أعمال شكسبير، وإنما سبقه بنحو عام دراسة للقس «جيمس ولموت Wilmot» عكف فيها على دراسة الفلسفة التجريبية فى كتب فرنسيس باكون، ويستغرب التشابه بين عباراته وعبارات شكسبير، ويسجل استغرابه هذا عرضًا فى تعليقاته ورسائله بين ما كان يسجله من اللمع والآراء، ولم يذهب فى التعليقات والرسائل مذهب القول الصريح بنسبة العبارات المتشابهة إلى باكون دون شكسبير، ولكنه أثار الشك فى نفوس محادثيه والمطلعين على رسائله، وذاعت عنه هذه المقارنات قبل أن تصدر فى كتاب مطبوع ببضع سنوات.

rattia2@hotmail.com

www. ragai2009.com