فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر، هى الحدود المتنازع للاستمساك بها بين الجانبين الفلسطينى والإسرائيلى، لأيّهما الغلبة على امتداد صراعهما لسبعين سنة خَلَت، دون غالب أو مغلوب بالمطلق، إذ ما زال الاحتكام للسلاح بأيديهما قائمًا، فيما النوافذ بينهما ليست غير مشرعة باتجاه التسوية السلمية التى أفضت إلى اتفاقية “أوسلو 1993”، مما أتاح لبروز سلطة فلسطينية تتمتع بشكل من أشكال الحكم الذاتي على بعض المناطق المحتلّة منذ العام 1967، إلا أن النصال تكسرت على النصال فى كامب ديفيد 2 (عرفات- مبارك- كلينتون) عشية القرن الحالى بسبب الخلاف حول مستقبل القدس (ضمنًا)، قبل أن تندلع “انتفاضة الأقصى” بالتزامن مع صعود اليمين الإسرائيلى مجددًا إلى سُدة الحكم ولنحو عشرين عامًا تالية تجمدت خلالها المفاوضات مع الفلسطينيين، فيما استحدثت الإدارة الأميركية 2017 ما يسمى “صفقة القرن”.. لتقليم الحقوق الفلسطينية فى إطار “ضم الأراضى” المحتلة (الجولان- الضفة الغربية) إلى السيادة الإسرائيلية، غير أن الولايات المتحدة بعد سقوط “ترامب” انتخابيًّا.. أعادت البحث فى إحياء “حل الدولتين” لتسوية المسألة الفلسطينية لكن دون زخم كافٍ لا يدَع للفسطينيين غير الهجرة إلى الخارج أو القبول بالعيش فى أراضيهم المغتصبة كمواطنين فى مرتبة متأخرة ضمن دولة عنصرية ذات “نقاء يهودى”، خاصة مع مضي إسرائيل فى إجراءاتها العنصرية، إلى أن تلقّت بقلق وغضب بالغين فى فبراير 2022.. تقرير منظمة العفو الدولية (أمنستي) يتهمها بإدارة سياسة فصل عنصرى (أبرتهايد) ضد الفلسطينيين على جانبى “الخط الأخضر” مما سوف يعرّضها للمحاكمة أمام القضاء الدولى، الأمر الذى أكده الفرع البريطانى لمنظمة (أمنستي) بتقرير منفصل من 182 صفحة اعتبرت خلاله الفصل العنصرى الإسرائيلى ضد الفلسطينيين “نظامًا قاسيًا يقوم على الهيمنة، وجريمة ضد الإنسانية.. إلخ”، ذلك فى الوقت الذى تتحول فيه الساحة السياسية الأميركية من سيطرة اللوبى الإسرائيلى على الرأى العام الأميركى إلى ما يمكن وصفه بحلبة صراع للكثير من الأميركيين إما لمناصرة الفلسطينيين أو فى مواجهة النشاط الإسرائيلى كدولة فصل عنصرى، ما يمثل انقسامًا أميركيًّا- أميركيًّا غير مسبوق بين الجانبين الفلسطينى والإسرائيلى، ربما يعيد للأذهان إرهاصات الإدانة الدولية للحالة العنصرية فى جنوب أفريقيا (حكومة بريتوريا العنصرية) التى انتهت بسقوطها فى التسعينيات، ولتتشكل فى دولة واحدة، الأمر الذى قد يدفع إسرائيل إلى مراجعة حساباتها وإجراءاتها نحو الهيمنة على الشعب الفلسطينى، إذ يصدر رئيس الحكومة “بنيت” مع وزير الدفاع “جانتس” تعليماتهما لسلطات الاحتلال لتجميد المداولات حول مخطط الاستيطان الكبير«E I» لأجل غير مسمّى، وهو المخطط الذي لقي معارضة شديدة من الولايات المتحدة ودول أوروبا.. بسبب تأثيره لما يؤدى إلى تقسيم الضفة الغربية إلى قسمين، ذلك ما يتوازى مع تأكيد دراسات أكاديمية عبرية جديدة تفاقم التفرقة الاجتماعية بين جميع الشرائح اليهودية فى إسرائيل، وإلى تبادل مشاعر الكراهية بين بعضهم، إضافة إلى مشاعر النفور والاستعلاء العنصرى ضد العرب، وما يكشف عن تغير كبير فى تركيبة وحدات الجيش الإسرائيلى، حيث التمييز بين أبناء الطبقة المتوسطة فى خدمة التكنولوجيا العالية.. وبين إرسال الجنود من عائلات فقيرة فى ميادين القتال (%78 منهم قتلى المعارك).
إلى ذلك، وفيما تتعرض إسرائيل للمزيد من الإدانات الدولية لاتجاهاتها العنصرية، وفى داخلها، ما قد يقوّض حل الدولتين، إذ بالرئيس الفلسطينى يهدد بإعادة النظر فى الخيارات الفلسطينية كلها، بما فى ذلك العلاقة مع دولة الاحتلال، ملوّحًا بخيار “الدولة الواحدة”، إذا استمر تقويض “حل الدولتين”، واصفًا اتفاق أوسلو بأنه “انتقالى”، ملوّحًا بدولة واحدة ذات حقوق متساوية للجميع، منوهًا بقرار التقسيم العام 1947 الذى يعطى الفلسطينيين %44 من الأرض الفلسطينية من البحر إلى النهر، فيما تبقى التسوية الفلسطينية عالقة بين “حل الدولتين”.. و”الدولة الواحدة”.