فى العلاقات الإنسانية، توافقت المجتمعات المختلفة على أن الزواج هو المؤسسة الاجتماعية الراسخة لإنجاب النشء وتربيتهم من أجل استمرار الفصيل البشرى فى مشواره الطويل. شىء من هذا القبيل، وإن كان أقل قوة، يمكن تصور وجوده فى علاقة الاقتصاد بالإعلام، خاصة الإعلام المتخصص فى المجال الاقتصادى، إذ إن الفائدة التى يسعى إليها كلاهما لا تتحقق دون الآخر.
ماذا يسعى الاقتصاد إليه بالضبط؟ وماذا يسعى الإعلام الاقتصادى إليه تحديدا؟ ولماذا يبدو الترابط بين الاثنين بهذا القدر من الحتمية؟ هذه هى الأسئلة التى سوف أحاول الإجابة عنها فى هذا المقال، استجابة لدعوة كريمة من الأستاذ حازم شريف بمناسبة مرور 15 عاما على صدور العدد الأول من جريدة المال.
كلنا يعلم أن الاقتصاد والاقتصاديين مهمومون بكيفية إشباع حاجات المجتمع المادية، من مسكن ومأكل وانتقال وخدمات، فى ظل ندرة الموارد. توصيف المشكلة بهذا الشكل يجعلها تبدو كما لو كانت مسألة بسيطة، والحقيقة أنها أبعد ما تكون عن ذلك. نظرة سريعة على التطور الإنسانى منذ بداياته البدائية سوف تكشف عن محاولات متكررة لحل إشكالية ندرة الموارد، ورغم ذلك لا زالت هناك دول فاشلة فى توفير حياة كريمة لأبنائها. وإذا انتقلنا للتجارب الناجحة، فالمشكلة لم يتم حلها أيضا، بحكم تجدد التحديات الناتجة عن التطور التكنولوجى والسكانى ونظم الحكم. ورغم التوافق هذه الأيام على أهمية قوانين اقتصادية، مثل قانون العرض والطلب، إلا أن تطبيقات نظرية السوق تختلف كثيرا من مجتمع لآخر، استجابة لهذا التنوع واستمرار إشكالية ندرة الموارد، أصبح علم الاقتصاد ذاخرا بتخصصات جديدة، ونماذج رياضية مركبة، وأفكار فيها من التعقيد ما يجعله غير قابل للشرح لغير المتخصصين.
ماذا عن غاية الإعلام الاقتصادى؟ أظن أن غايته هى إحاطة القارئ علما بما يهمه فى حياته اليومية من معلومات وأفكار تساعده على اتخاذ قرارات رشيدة. لتحقيق هذا الهدف، يتم اختيار المعلومات والأفكار التى تهم الناس على اختلاف مشاربهم، سواء كانوا رجال وسيدات أعمال، أو صانعى السياسات الاقتصادية، أو مستهلكين أو عمالاً.
للقيام يهذه المهمة بكفاءة، يقع على عاتق الإعلاميين فهم وترجمة ما يقوله الاقتصاديون والسياسيون. هذه مسؤولية غير سهلة، خاصة أن الاقتصاديين أصابهم ما أصاب أصحاب المتخصصين فى علوم أخرى، من الاعتماد على مصطلحات وأفكار ليست فى متناول غيرهم. وليس من قبيل الصدفة أن علم الاقتصاد حاز فى السنوات الأخيرة على لقب «العلم الكئيب».
هذا التوصيف لعلم الاقتصاد وفهمى للغاية من الإعلام الاقتصادى هو ما يحتم الشراكة بين من يعملون فى مجال الاقتصاد ومن يعملون فى مجال الإعلام. الاقتصادى يحتاج ترجمة ما غمض من أفكار حتى يتواصل مع المجتمع الذى يعيش فيه، وحتى يكون علمه ذا فائدة. الإعلام الاقتصادى يسعى لتوصيل المعلومات والأفكار الاقتصادية لأطراف المجتمع المختلفة، علّ ذلك يكون فيه صلاح الجميع. ربما لهذا السبب، حاولت من جانبى، منذ عام 2000 كمدير للمركز المصرى للدراسات الاقتصادية وبعدها كمدير لمنتدى البحوث الاقتصادية وبالشراكة مع شعبة المحريين الاقتصاديين بنقابة الصحفيين وغيرها من المؤسسات الإعلامية، بناء قدر معقول من التفاهم بين الفصيلين. هذه الشراكة كانت مفيدة للطرفين، ويشهد على ذلك استمرارها بعد أن تركت موقعى فى هاتين المؤسستين.
فى النهاية، وأنا أشارك فى الاحتفاء بجريدة المال على الاستمرار لمدة 15 عاما فى مجال الإعلام الاقتصادى، لا يسعنى إلا تقديم التهنئة على هذا النجاح والتمنيات بالاستمرار والتجدد لسنوات طويلة قادمة. مصر فى حاجة إلى مثل هذا الإعلام الاقتصادى الناضج، كما هى فى حاجة إلى أفكار الاقتصاديين، للحاق بالدول التى سبقتنا، واستعادة ماضينا المجيد.