تتوالى المؤثرات السياسية الأميركية على البشرية منذ اكتشافها قبل نحو ثلاثة قرون، من “المثالية” إلى “دبلوماسية رفع العلم” وصولًا إلى “الإمبريالية” فى نصف الكرة الغربى، لتشارك من بعد فى الحربين العالميتين الأخيرتين.. حيث تتطلع فى نهايتهما إلى تأكيد سطوتها على اليابان أغسطس 1945 كإمبراطورية عالمية نووية، بجانب السعى لقيادة الديمقراطية الأميركية على سائر بلاد الأرض، بوصفها الأقوى ديمقراطيًّا فى غياب من يشغل هذا الدور غيرها، إلا أن “خوفها الجامح من الشيوعية”، بحسب الرئيس الأسبق “كارتر “1979، دعاها إلى “تبني نفس أساليبها فى مناصرة الديكتاتوريات”، ولتبقى رغم ذلك على إدعاءاتها الديمقراطية فى استخدام مسائل حقوق الإنسان كحصان طروادة، للتدخل فى شئون البلاد الأخرى، ذلك دون استبعاد توظيف قوتها الكاسحة- عسكريا واقتصاديا- لبسط زعامتها العالمية، ومن ثم إلى كسب الحرب البادرة مع المعسكر الشيوعى 1947- 1989 من خلال تصدير ما يعرف بـ”قلق الأيديولوجيا”، إزاء الخطر الذى تفرضه نظرية “الردع النووى المتبادل” من ناحية.. وعن التعادل القائم من ناحية أخرى لما يسمى “الحروب التجارية” مع المتنافسين من الدول الكبرى التى اتجهت فى النصف الثانى من العقد الأخير إلى رسم خطوط مختلفة للحرب الباردة الجديدة بين المحور الغربى وكل من روسيا والصين، غايته المنافسة على النموذج القيمي للديمقراطية للتعامل مع الدول الأخرى فى القرن 21 ، ذلك بالتوازى مع تعهد البيان الصادر عن قادة الدول الخمس الكبرى يناير الحالي.. بتجنب حرب نووية لا يمكن لأى طرف الانتصار فيها، لكن دون استبعاد التحالفات الإستراتيجية، سواء فى منطقة المحيطين الهندى والهادى كالاتفاق الانجلوساكسونى مثالًا أو سواء فى منطقة الشرق الأوسط كالمحور الصينى- الروسى مع إيران مثالًا، فيما تجوب حاملة الطائرات الأميركية “ترومان” عباب البحر المتوسط “لحماية الحلفاء”، كما يتجه الخط الثنائى التاريخى منذ 1949 بين باريس وبرلين لاستئناف العمل نحو بناء أوروبا قوية.
إلى ذلك، يسعى المحور الغربى لأن يحتفظ بدوره كشرطى العالم قبل قرنين من خلال التمدد الديمقراطى ليحقق من خلاله أهدافه الجيوسياسية والاقتصادية، وفى ظل علاقات عالمية باتت بالغة الصعوبة، بحيث تبقى قيادة الديمقراطية هى النموذج القيمى الحاسم للتفوق على المنافسين الآخرين، لولا تلك التهديدات التى ينطوى عليها الانحسار الديمقراطى الغربى، ومع صعود القوى غير الليبرالية داخل العديد من الديمقراطيات، بما فى ذلك الولايات المتحدة، ما يمثل تحديًا تاريخيًّا للديمقراطيات الغربية (المتشرذمة) فى مواجهة الأنظمة (الاستبدادية)، الأمر الذى يعرب المراقبون عن خطورته بالنسبة لانهيار الديمقراطية الأميركية، لأسبابها السياسية والاجتماعية، فى نهاية العقد الحالى، الأمر الذى دعا الإدارة الأميركية مؤخرًا إلى تنظيم مؤتمر دولي عن الديمقراطية موجه أساسا ضد الصين التى سرعان ما أشهرت معركة أيديولوجية مع الولايات المتحدة، تكون مقدمة لمناظرة عالمية حول أى من النظم السياسى سوف تكون أكثر كفاءة وفاعلية فى إدارة شئون البشر، ما يمثل المرة الأولى للصين التي باتت فيها مستعدة للخروج بوثيقة تعبر عن الإطار الأيدلوجى للدولة تقدمه للعالم من خلال كتاب أبيض بعنوان “الصين وديمقراطية فاعلة”، لا يعود إلى المقولات الماركسية التقليدية، ولا إلى نمط الديمقراطية الأميركية التى توسعت تدريجيًّا- بحسب الكتاب الأبيض- إلى شخص واحد، وصوت واحد، لنظام أصبح تقريبًا إطارًا أجوف سمته الوحيدة الانتخابات الأميركية، لتفسح المجال من ثم لقيام “الديمقراطية الشعبية الكاملة” للصين فى مقابل التجربة الأميركية التى قد تواجه عندئذ تحديًا أمنيًّا مع حلفائها، خاصة إذا حلت الصين محلها حين تتحول إلى قوة ديمقراطية، كحلم صينى ليس غير خيالى ولا يمكن استبعاد حدوث تأثيره على العلاقات الدولية سواء بالإيجابيات المتوقعة بين الصين وجيرانها الآسيويين أو من حيث تغيير السلوك العدوانى لكوريا الشمالية (تحت الوصاية التاريخية للصين ) كما بالنسبة لقضية تايوان (صين واحدة)، وإلى دول أخرى فى منطقة آسيا- المحيط الهادى -سوف تكون أقل احتياجًا للمساعدة الأمنية الأميركية.. حال وجود صين ديمقراطية ناهضة اقتصاديا، وغير استبدادية، لربما تمثل فى رأى المراقبين تحديًا أكبر للوجود الأميركى الذى يعتمد فقط على كونها ديمقراطية قوية توفر- للمفارقة- الحماية لدول أخرى من الديكتاتوريات، ذلك ما لم تبرز قوى بديلة أقل تهديدًا للنظام العالمى المتوقع لبنائه المستقبلي الجديد أن يشهد قريبًا جولات من الاستقطاب الديمقراطي بديلًا عن التلويح بالردع النووى.