يرى الأستاذ العقاد أن مذهب الفيلسوف «هيجل» فى أطوار الأمم وأدوار التاريخ، يصدق على اتجاهات الأدب فى اللغة العربية، وفى غيرها من اللغات الحية.
وخلاصة مذهب هيجل أن كل دورٍ من الأدوار يتبعه ضده أو نقيضه، ثم يلتقى النقيضان على حد وسط بينهما، فإذا ما استقر ظهر له ضد، فيتلاقيان على حد وسط آخر وهكذا دواليك.
وقد حدث هذا فى الأدب العربى ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ بين أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، فمع تيقظ الأمم الشرقية ونظرها فى أسباب ضعفها، وأساليب علاجها ببواعث قوتها، رأى فريق أن يرجع فى ذلك إلى القديم يستقطره، ورأى آخرون نقيض ذلك، وأن القوة إنما تكون فى محاكاة الأقوياء من أبناء الحضارة الغربية فى كل شىء، ومن ذلك اتجاهات الآداب والفنون.
ثم استوت بين الاتجاهين مدرسة متوسطة، ترى أن المحاكاة لا تفيد، سواء كانت للقديم أم الجديد، وأن الصواب هو الاخذ بالحسن من كليهما.
وتكاد هذه المدرسة ـ فيما يقول ـ أن تغلب على اتجاهات الأدب فى العصر الحاضر.
وعن اللغة، رأت هذه المدرسة أن الفصحى لها موضعها وموضوعاتها، وأن العامية لها هى الأخرى موضوعها وموضوعاتها.
بيد أن هذه المدرسة الوسطى عارضتها فى السنوات الأخيرة دعوة جامعة تحاول أن تتحرر من جميع القواعد وجميع الأصول، وآفتها الكبرى أنها تخلط بين القواعد والقيود، فتحسب أن التحرر من القيود يلزمه التحرر من القواعد الفنية، وذلك وهم ظاهر البطلان، فلا توحد فنون بغير قواعد تعصمها من الفوضى.
وهذه الدعوة الجامحة أجنبية غربية لم تخلقها بنية الأمة العربية، ولم تنبتها جذورها العريقة ولا فروعها الحديثة، ومن ثم فإن مآل هذه الدعوة إلى التراجع.
والاتجاهات الحديثة فى الأدب العربى ــ لا توجهها هذه الدعوة، ولم تتبعها، والذى حدث يلخصه ظهور الإذاعة وانتشار الصحافة وازدياد القراء، وأفضى ذلك إلى نتيجة عملية، تميل فيها الجمهرة الغالبة إلى التسلية، دون أن تستعد بثقافتها لطلب الفنون العالية والتعبيرات الرفيعة فى آداب اللغة.
ويرى الأستاذ العقاد أن هذه النتيجة تلخصت فى الاتجاهات الآتية:
وأولها وفرة القصص السهلة التى تخاطب الغرائز، ولا سيما الغرائز الجنسية وغرائز الصراع التى تتأثر بالمخاوف والأهوال.
وثانيها شيوع الموضوعات العرضية التى تتلخص فى جملتها فى موضوعات الصحافة والشائعة.
وثالثها قلة الشعر المستقل وكثرة الشعر الذى يعتمد على الغناء والمناظر المسرحية ويقترن به الرقص ومواقف الغزل واللهو على الاجمال.
إلاَّ أن هذه الاتجاهات الشائعة لم تلغ وجود الاتجاهات الجدية التى تستعد للأدب بثقافة عالية وفهم راجح ورغبة صادقة فى الاستفادة وتهذيب العقل والذوق.
فإلى جانب القصص الغريزية والمناظر المثيرة، توجد المطالعات الرفيعة فى النقد والتاريخ والتحليلات النفسية، ومصنفات التدريس فى برامج التعليم بمستوياته.
وربما كان نصيب النقد أكبر من نصيب الخلق والابتداع.
على أن الاستقلال فى النقد كالإبداع فى ثمرات الفنون.
وطوالع الأمل ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ تبشر بالانتقال من هذه الحالة إلى حالة خير منها.
وقلة الشعر المستقل أو المحض، لا تدل على انطفاء شعلة الشعر فى النفس الإنسانية.
وإنما قل الشعر المحض لأن موضوعه مشترك فى العصر الحاضر بين كثير من التعبيرات التى تؤدى رسالته أو تنوب عنها.
هذا إلى أننا فى عصر يجمع بين النقيضين ، لأنه عصر المشاهدات العالمية، والعالميات لا تنحصر فى حدود البلدان.
وخلاصة القول فى اتجاهات الأدب العربى الحديث ـ فيما يورد الأستاذ العقاد ـ أن الاتجاه المتطرف منها غير أصيل وغير مستمد من بنية الأمة العربية، وأن الحالة العملية أقوى أثرًا فيه الآن من المذاهب والمدارس الفكرية، وأن الملكات الناقدة أكبر عملاً فى عصرنا من الملكات الخلاقة، ويشفع لها ـ فيما يرى ـ أنها ملكات ناقدة تجنح إلى استقلال هو أقرب ما يكون إلى الخلق والابتكار.
rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com