الأكاديمى الناجح (3)

الأكاديمى الناجح (3)
توفيق اكليمندوس

توفيق اكليمندوس

7:06 ص, الأحد, 18 أغسطس 19

ما قصدته من المقالة السابقة أن الإلمام ببعض القضايا الرئيسة وبرسالة كتاب من أمهات الكتب يستغرق سنوات. تحدثت عن صعوبة فك طلاسم كتب أفلاطون، ويمكن قول نفس الشيء فيما يتعلق بأرسطو، القديس أغسطينوس، الفرابى، ماكيافيللى، توماس هوبز، لايبنيز، هيوم، روسو، كانط، هيجل، ماركس، ولم أذكر إلا بعض أمهات أمهات الكتب البشرية، ولم أتحدث لا عن الفكر الصينى، ولا عن الكتب المقدسة، ومعرفتها ومعرفة التفاسير والنقاشات العميقة حول مغذاها، وتطورها وتبعاتها السياسية والاجتماعية ضرورية، حتى لو كنت ملحدا، وتستغرق سنوات.

وهناك أحداث جسام غيرت مجرى التاريخ ركز عليها المؤرخون، واختلفوا حولها، معارك عسكرية حاسمة، وثورات شعبية كبرى، وحركات إصلاح دينى، وأزمات اقتصادية حادة، ونهضة وأفول الدول، ونشأة الدولة الحديثة، ولا أذكر إلا القليل من القضايا والمعارف الضرورية. المهم، دراسة ثورة مثل الثورة الفرنسية أو الثورة الإيرانية قد يستغرق عمرا كله، ومن المستحيل قراءة كل الكتب الهامة التى تناولتها، لا سيما أن قررت دراسة الإنتاج الفكرى فى دول عدة حول نفس الموضوع.

وهناك مقولة مازحة ترى أن عدد خبراء الإرهاب يفوق أعداد الإرهابيين بمراحل.

المهم، يقول أحد الزملاء الفرنسيين، تربطنى به صداقة متينة رغم اختلاف المشارب، أنه من المستحيل أن تصبح باحثا متخصصا فى شأن ما، له رأى يعتد به وإنتاج يجب الاطلاع عليه، قبل بلوغك الأربعين، لأن فهم أساليب البحث العلمى ومناهجه والكتب الرئيسة المتعلقة بموضوع تخصصك يحتاج إلى عقدين. وتفصيل ذلك أن ما تتعلمه فى الكلية كلام نظرى له مميزاته، ولكنه لا يسعفك دائما فى البحث العملى. الممارسة العملية تعلمك بسرعة أنك لا تستطيع أن تلتزم بتوصيات الكتب الجامعية ولا تستطيع أن تتغلب على كل الصعوبات، فلا تستطيع مثلا فى أغلب الأحوال بناء عينة تمثل حقا الجمهور، على أحسن الفروض، يسمح لك منهج البحث الذى تعلمته فى الكلية باستخلاص أو ببناء الوقائع، ولكنه لا يحصنك ضد كل أخطاء التحليل، أحب أن أقول لطلابى أن هناك كتابا عن ناصر، كل المعلومات فيه صحيحة، ولكن الفكرة الحاكمة للكتاب خاطئة، وكل التحليلات فاسدة، فى حين أن هناك كتابا أخر، أغلب المعلومات فيه غير دقيقة، وسرد الوقائع فيه غير منضبط، ولكن الكتاب فهم مفاتيح شخصية الرئيس الراحل، وفهم المجتمع المصرى، على عكس الكتاب الأول.

وهناك أخطاء فى التحليل لها تبعات مريعة، تخيلوا أن دولة بها أعرق الجامعات وأقوى جماعة علمية وهى طبعا الولايات المتحدة لم تتوقع أبدا هى وخبرائها أن غزوها للعراق سيصب فى مصلحة إيران، وقبلها لم تتوقع أن المجاهدين الذين حاربوا فى أفغانستان تحت إشرافها سينقلبون عليها، وهلم جرا.

ما يحصنك نسبيا ضد الأخطاء ليس المنهج، بل مزيج من الثقافة التى لا تكتسب بسرعة ومن الحدس السليم، وما أكثر المتخصصين والمثقفين الذين لا حدس لهم… الحدس يسمح لك بعدم التخريف وبالتعاطف مع الفاعلين…

ويلاحظ أن الصديق كان يتحدث عن المتخصص فى موضوع واحد، لا عن الأستاذ الجامعى الذى يسعى إلى استخلاص نتائج أبحاث الزملاء فى مجالات شتى، فلو تحتم على تدريس الفلسفة مثلا على الإلمام بما قاله بعض كبار الفلاسفة، ومنهم من لم أقرأ لهم أكثر من مائة صفحة وما قيل عنهم.

ويقول أستاذ فرنسى إن دراسة أى موضوع لا نهاية لها، وما يحصل عمليا أن الباحث يتوقف عن دراسته بقرار، وهو يعلم أن هناك الكثير من الجزئيات لم يبحثها على أهميتها.

يتبع

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية