بداية لست بصدد كتابة عمود أو مقال إنشائي، مع أو ضد التطبيع مع إسرائيل، وإنما فقط أسعى، لأن أعبر عن مجرد محاولة، لفهم ما لا استطيع أن أفهمه، في تعامل الحكومة المصرية الرسمي، مع قضية العلاقات مع إسرائيل، عبر ما تكتبه وتنقله وسائل الإعلام المملوكة لها، والتي تدعي- الحكومة- طول الوقت، أنها مستقلة قومية غير موجهة، وفي المقابل يعلم جميع أفراد هذا الشعب الطيب، بما في ذلك طلاب الحضانة والمدارس الابتدائية، أن تلك الوسائل، غير مستقلة ولا قومية ولا محايدة، ولا يكتب من فيها من بنات أفكارهم، وإنما تنفيذاً لتوجيهات من بيده تعيينهم أو عزلهم، أو في أفضل الأحوال، تعبيراً عما يتخيله الكاتب، أنه يدور في أذهان صانعي القرار، أو يخدم مصالح النظام، وذلك مع الاعتراف بوجود بعض الاستثناءات.
إن أي متابع ساذج، لما تبثه وسائل الإعلام الرسمية من أخبار وتحليلات، تتناول إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة الأمريكية، يستطيع أن يرصد بسهولة حالة الشيزوفرينيا، ما بين التغطية الصحفية، للموضوعات ذات الطابع الاقتصادي، وتلك الخاصة بالجانب السياسي.
بل حتى فإن هذا الجانب السياسي، لا يخلو بدوره من التناقض، بين اللهجة والخطاب والتوجه، التي يتم بها صياغة الموضوعات المتعلقة، بالعلاقات الثنائية بين مصر وكل من إسرائيل والولايات المتحدة، وباقي الموضوعات التي تتناول علاقة هذين «الشيطانين» وسياستهما فى منطقة الشرق الأوسط.
انظر لتغطية الصحف القومية، لما يجري في العراق وفلسطين ماذا تري؟.
موضوعات ذات بعد، واحد تعج بالنقد والهجوم وأحياناً التشفي، إذا ما نفذت عملية انتحارية على جنود أو مدنيين سواء كانوا أمريكيين أو إسرائيليين أو حتى عراقيين!.
جميع منفذو العمليات الانتحارية، في عرف التغطية الإعلامية الرسمية، هم استشهاديون، وكل هذه العمليات من وجهة نظرها المطلقة، عمليات مقاومة ودفاع عن النفس ضد الاحتلال، لا فرق في ذلك بين عمليات ضد العسكريين المحتلين أو المدنيين، ولا فرق بين جماعة الزرقاوي أو حماس أو الجهاد، أو جماعة مقاومة وطنية، تستهدف فقط مقاومة الاحتلال.
ملاحظة: أحياناً تحتفي بعض الصحف الرسمية، بعمليات انتحارية في قلب بغداد، تسفر عن مصرع عشرات المدنيين العراقيين، ثم تعود لتستنكر قيام انتحاري، بتفجير نفسه في ميدان التحرير أو مدينة شرم الشيخ!.
إلا أن هذه الصحف، سرعان ما تنقلب على عقبيها، إذا ما تناولت موضوعاً، يختص بالعلاقات الاقتصادية مع البلدين، فتسارع بالاحتفاء بتوقيع بروتوكول الكويز، وبدء مفاوضات منطقة التجارة الحرة مع الولايات المتحدة، وتسهب في تعديد منافعهما وفوائدهما على الاقتصاد الوطني، وأن هذه الاتفاقات ما كانت لتوقع، إلا بفضل ما أقدمت عليه الحكومة من إجراءات إصلاحية على الجانب الاقتصادي!
وليس بمستغرب، أن تحمل الفتاوى الدينية الرسمية، التي تنقلها الصحف، نفس ذلك التناقض، فهي في مجملها، تحلل العمليات الانتحارية، بذات القدر، الذي تبارك به العلاقات الاقتصادية الثنائية مع إسرائيل، من تصدير الغاز والأسمنت إلى استيراد الأسمدة والتقاوى الزراعية.
وقد يكون الحفاظ على ذلك التناقض، مبرراً لدى صانع القرار، في ضوء رغبته في التذرع، بضغوط الرأي العام، في مواجهة الضغوط الأمريكية، في اتجاه دفع الحكومة إلى بذل المزيد من الجهود التطبيعية، أو الرد على ضغوطها المتواترة، باتخاذ خطوات أكثر تسارعاً على طريق الإصلاح السياسي.
إلا أن هذه الممارسات الإعلامية على الجانب الآخر، تخلق- في أفضل الأحوال- نوعاً من البلبلة، في توجهات الرأي العام المحلي، وتجعله غير قادر على التفاعل، مع توجهات الحكومة المصرية الحقيقية، في التعامل مع الملفين الاقتصادي والسياسي، في العلاقات الثنائية مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل.
والأهم أن هذه التوجهات الإعلامية، تصب في النهاية، في مصلحة التيارات الأصولية، ذات الارتباطات الدولية مع نظيراتها في الخارج، والتي تستطيع بسهولة، أن تزايد على مواقف الحكومة، وما تتخذه من إجراءات فعلية على الأرض، تدعم بها علاقاتها السياسية والاقتصادية والتجارية مع «الشيطانين» الأمريكي والإسرائيلي!.