ازدواجية‭ ‬التعامل‭ ‬الرسمي‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل

ازدواجية‭ ‬التعامل‭ ‬الرسمي‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل
حازم شريف

حازم شريف

11:01 ص, الأحد, 9 أكتوبر 05

بداية‭ ‬لست‭ ‬بصدد‭ ‬كتابة‭ ‬عمود‭ ‬أو‭ ‬مقال‭ ‬إنشائي،‭ ‬مع‭ ‬أو‭ ‬ضد‭ ‬التطبيع‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وإنما‭ ‬فقط‭ ‬أسعى،‭ ‬لأن‭ ‬أعبر‭ ‬عن‭ ‬مجرد‭ ‬محاولة،‭ ‬لفهم‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬استطيع‭ ‬أن‭ ‬أفهمه،‭ ‬في‭ ‬تعامل‭ ‬الحكومة‭ ‬المصرية‭ ‬الرسمي،‭ ‬مع‭ ‬قضية‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل،‭ ‬عبر‭ ‬ما‭ ‬تكتبه‭ ‬وتنقله‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬المملوكة‭ ‬لها،‭ ‬والتي‭ ‬تدعي‭- ‬الحكومة- ‬طول‭ ‬الوقت،‭ ‬أنها‭ ‬مستقلة‭ ‬قومية‭ ‬غير‭ ‬موجهة،‭ ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬يعلم‭ ‬جميع‭ ‬أفراد‭ ‬هذا‭ ‬الشعب‭ ‬الطيب،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬طلاب‭ ‬الحضانة‭ ‬والمدارس‭ ‬الابتدائية،‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الوسائل،‭ ‬غير‭ ‬مستقلة‭ ‬ولا‭ ‬قومية‭ ‬ولا‭ ‬محايدة،‭ ‬ولا‭ ‬يكتب‭ ‬من‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬بنات‭ ‬أفكارهم،‭ ‬وإنما‭ ‬تنفيذاً‭ ‬لتوجيهات‭ ‬من‭ ‬بيده‭ ‬تعيينهم‭ ‬أو‭ ‬عزلهم،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬أفضل‭ ‬الأحوال،‭ ‬تعبيراً‭ ‬عما‭ ‬يتخيله‭ ‬الكاتب،‭ ‬أنه‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬أذهان‭ ‬صانعي‭ ‬القرار،‭ ‬أو‭ ‬يخدم‭ ‬مصالح‭ ‬النظام،‭ ‬وذلك‭ ‬مع‭ ‬الاعتراف‭ ‬بوجود‭ ‬بعض‭ ‬الاستثناءات.

إن‭ ‬أي‭ ‬متابع‭ ‬ساذج،‭ ‬لما‭ ‬تبثه‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الرسمية‭ ‬من‭ ‬أخبار‭ ‬وتحليلات،‭ ‬تتناول‭ ‬إسرائيل‭ ‬وحليفتها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يرصد‭ ‬بسهولة‭ ‬حالة‭ ‬الشيزوفرينيا،‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬التغطية‭ ‬الصحفية،‭ ‬للموضوعات‭ ‬ذات‭ ‬الطابع‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وتلك‭ ‬الخاصة‭ ‬بالجانب‭ ‬السياسي.

‬بل‭ ‬حتى‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الجانب‭ ‬السياسي،‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬بدوره‭ ‬من‭ ‬التناقض،‭ ‬بين‭ ‬اللهجة‭ ‬والخطاب‭ ‬والتوجه،‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬بها‭ ‬صياغة‭ ‬الموضوعات‭ ‬المتعلقة،‭ ‬بالعلاقات‭ ‬الثنائية‭ ‬بين‭ ‬مصر‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬إسرائيل‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وباقي‭ ‬الموضوعات‭ ‬التي‭ ‬تتناول‭ ‬علاقة‭ ‬هذين‭ ‬‮«‬الشيطانين‮»‬‭ ‬وسياستهما‭ ‬فى‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.

انظر‭ ‬لتغطية‭ ‬الصحف‭ ‬القومية،‭ ‬لما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وفلسطين‭ ‬ماذا‭ ‬تري؟.

موضوعات‭ ‬ذات‭ ‬بعد،‭ ‬واحد‭ ‬تعج‭ ‬بالنقد‭ ‬والهجوم‭ ‬وأحياناً‭ ‬التشفي،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬نفذت‭ ‬عملية‭ ‬انتحارية‭ ‬على‭ ‬جنود‭ ‬أو‭ ‬مدنيين‭ ‬سواء‭ ‬كانوا‭ ‬أمريكيين‭ ‬أو‭ ‬إسرائيليين‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬عراقيين!.

جميع‭ ‬منفذو‭ ‬العمليات‭ ‬الانتحارية،‭ ‬في‭ ‬عرف‭ ‬التغطية‭ ‬الإعلامية‭ ‬الرسمية،‭ ‬هم‭ ‬استشهاديون،‭ ‬وكل‭ ‬هذه‭ ‬العمليات‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظرها‭ ‬المطلقة،‭ ‬عمليات‭ ‬مقاومة‭ ‬ودفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس‭ ‬ضد‭ ‬الاحتلال، ‬لا‭ ‬فرق‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬بين‭ ‬عمليات‭ ‬ضد‭ ‬العسكريين‭ ‬المحتلين‭ ‬أو‭ ‬المدنيين، ‬ولا‭ ‬فرق‭ ‬بين‭ ‬جماعة‭ ‬الزرقاوي أو ‭ ‬حماس‭ ‬أو‭ ‬الجهاد،‭ ‬أو‭ ‬جماعة ‬مقاومة‭ ‬وطنية،‭ ‬تستهدف‭ ‬فقط‭ ‬مقاومة‭ ‬الاحتلال.

‬ ملاحظة: ‬أحياناً‭ ‬تحتفي‭ ‬بعض‭ ‬الصحف‭ ‬الرسمية،‭ ‬بعمليات‭ ‬انتحارية‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬بغداد،‭ ‬تسفر‭ ‬عن‭ ‬مصرع‭ ‬عشرات‭ ‬المدنيين‭ ‬العراقيين،‭ ‬ثم‭ ‬تعود‭ ‬لتستنكر‭ ‬قيام‭ ‬انتحاري،‭ ‬بتفجير‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬التحرير‭ ‬أو‭ ‬مدينة‭ ‬شرم‭ ‬الشيخ!.

‬ إلا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الصحف،‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تنقلب‭ ‬على‭ ‬عقبيها،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تناولت‭ ‬موضوعاً،‭ ‬يختص‭ ‬بالعلاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬مع‭ ‬البلدين،‭ ‬فتسارع‭ ‬بالاحتفاء‭ ‬بتوقيع‭ ‬بروتوكول‭ ‬الكويز،‭ ‬وبدء‭ ‬مفاوضات‭ ‬منطقة‭ ‬التجارة‭ ‬الحرة‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وتسهب‭ ‬في‭ ‬تعديد‭ ‬منافعهما‭ ‬وفوائدهما‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني،‭ ‬وأن‭ ‬هذه‭ ‬الاتفاقات‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬لتوقع،‭ ‬إلا‭ ‬بفضل‭ ‬ما‭ ‬أقدمت‭ ‬عليه‭ ‬الحكومة‭ ‬من‭ ‬إجراءات‭ ‬إصلاحية‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الاقتصادي!

وليس‭ ‬بمستغرب،‭ ‬أن‭ ‬تحمل‭ ‬الفتاوى‭ ‬الدينية‭ ‬الرسمية،‭ ‬التي‭ ‬تنقلها‭ ‬الصحف،‭ ‬نفس‭ ‬ذلك‭ ‬التناقض،‭ ‬فهي‭ ‬في‭ ‬مجملها،‭ ‬تحلل‭ ‬العمليات‭ ‬الانتحارية،‭ ‬بذات‭ ‬القدر،‭ ‬الذي‭ ‬تبارك‭ ‬به‭ ‬العلاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الثنائية‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل،‭ ‬من‭ ‬تصدير‭ ‬الغاز‭ ‬والأسمنت‭ ‬إلى‭ ‬استيراد‭ ‬الأسمدة‭ ‬والتقاوى‭ ‬الزراعية.

وقد‭ ‬يكون‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬التناقض،‭ ‬مبرراً‭ ‬لدى‭ ‬صانع‭ ‬القرار،‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬رغبته‭ ‬في‭ ‬التذرع،‭ ‬بضغوط‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الضغوط‭ ‬الأمريكية،‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬دفع‭ ‬الحكومة‭ ‬إلى‭ ‬بذل‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الجهود‭ ‬التطبيعية،‭ ‬أو‭ ‬الرد‭ ‬على‭ ‬ضغوطها‭ ‬المتواترة،‭ ‬باتخاذ‭ ‬خطوات‭ ‬أكثر‭ ‬تسارعاً‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬الإصلاح‭ ‬السياسي.

‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬الإعلامية‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر،‭ ‬تخلق‭- ‬في‭ ‬أفضل‭ ‬الأحوال- ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬البلبلة،‭ ‬في‭ ‬توجهات‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬المحلي،‭ ‬وتجعله‭ ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬التفاعل،‭ ‬مع‭ ‬توجهات‭ ‬الحكومة‭ ‬المصرية‭ ‬الحقيقية،‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الملفين‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والسياسي،‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الثنائية‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل.

‬ والأهم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التوجهات‭ ‬الإعلامية،‭ ‬تصب‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬في‭ ‬مصلحة‭ ‬التيارات‭ ‬الأصولية،‭ ‬ذات‭ ‬الارتباطات‭ ‬الدولية‭ ‬مع‭ ‬نظيراتها‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬والتي‭ ‬تستطيع‭ ‬بسهولة،‭ ‬أن‭ ‬تزايد‭ ‬على‭ ‬مواقف‭ ‬الحكومة،‭ ‬وما‭ ‬تتخذه‭ ‬من‭ ‬إجراءات‭ ‬فعلية‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬تدعم‭ ‬بها‭ ‬علاقاتها‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والتجارية‭ ‬مع‭ ‬‮«‬الشيطانين‮»‬‭ ‬الأمريكي‭ ‬والإسرائيلي!.‬